There was an error in this gadget

Friday, March 2, 2012

التحفة الربانية في شرح الأربعين حديثًا النووية - ومعها: شرح الأحاديث التي زادها ابن رجب الحنبلي



http://www.shamela.ws
تم إعداد هذا الملف آليا بواسطة المكتبة الشاملة




    الكتاب: التحفة الربانية في شرح الأربعين حديثًا النووية - ومعها: شرح الأحاديث التي زادها ابن رجب الحنبلي
    المؤلف: إسماعيل بن محمد بن ماحي السعدي الأنصاري (المتوفى: 1417هـ)
    طبع على نفقة: محمد عبد الرؤوف المليباري، صاحب المكتبة السلفية بالرياض
    الناشر: مطبعة دار نشر الثقافة - الإسكندرية
    الطبعة: الأولى، 1380 هـ
    عدد الأجزاء: 1
    [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، نسأله جل شأنه أن يهدينا صراطه المستقيم، ويحمينا من مضلات المفتنين، وموبقات الملحدين، وأصلي وأسلم على من أرسله الله رحمة للعالمين، هدى وذكرى للمؤمنين، وعلى آله وصحبه الذين جاهدوا في الله حق الجهاد، فبلغوا الرسالة إلى كافة العباد، وفازوا بالعز والسعادة في الدنيا والمعاد.

    وبعد: فللإمام النووي قدم راسخة في السنة المطهرة، آثاره فيها حميدة، ومكانته فيها مكانة الراسخين في العمل، فقد خدم صحيح مسلم أجل خدمة، وساق إلى من يريد الإصلاح كتابه ((رياض الصالحين))، ثم استخلص من الصحاح الأربعين حديثا المشهورة التي أنزلها العلماء منزلة القبول والاستحسان، لاشتمالها على أصول الأحكام وشرائع الإسلام فتعهدوها بالشرح والبيان، ومن أجل شروحها هذا الشرح الوجيز، الذي ألفه أستاذنا الشيخ إسماعيل الأنصاري _ وفقه الله _ فقد أحسن الجميل إلى طلبة العلم، وأبدع التنسيق في بيان مقاصد الحديث، حيث سار على الطريقة الاستنتاجية بعد شرح المفردات اللغوية، وكانت الأغراض التي تستنبط منكل حديث خير ما امتاز به هذا الشرح المفيد.
    سائلين الله تعالى أن يجعله عملا صالحا خالصا لوجه الكريم. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.

    الحديث الأول
    عن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)). رواه إماما المحدثين: أبو عبد الله محمد ابن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة.
    المفردات:
    إنما: للحصر، وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه.
    الأعمال: الشرعية المفتقرة إلى النية.
    بالنيات: بتشديد الياء وتخفيفها جمع نية وهي عزم القلب.
    وإنما لكل امريء ما نوى: فمن نوى شيئا لم يحصل له غيره.
    فمن كانت هجرته: إنتقاله من دار الشرك إلى دار الإسلام.
    إلى الله ورسوله: بأن يكون قصده بالهجرة طاعة الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم.
    فهجرته إلى الله ورسوله: ثوابا وأجرا.
    لدنيا: بضم الدال وكسرها من الدنو، أي القرب سميت بذلك لسبقها للأخرى، أو لدنوها إلى الزوال، وهي ما على الأرض مع الهواء والجو مما قبل قيام الساعة. وقيل: المراد بها هنا المال بقرينة عطف المرأة عليها.
    يصيبها: يحصيها.
    ينكحها: يتزوجها.
    فهجرته إلى ما هاجر إليه: كائنا ما كان، فالأول تاجر والثاني خاطب
    يستفاد منه:
    1 - الحث على الإخلاص، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان صوابا وابتغي به وجهه. ولهذا استحب العلماء استفتاح المصنفات بهذا الحديث تنبيها للطالب على تصحيح النية.
    2 - أن الأفعال التي يتقرب بها إلى الله عز وجل إذا فعلها المكلف على سبيل العادة لم يترتب الثواب على مجرد ذلك الفعل وإن كان صحيحا، حتى يقصد بها التقرب إلى الله.
    3 - فضل الهجرة إلى الله ورسوله. وقد وقعت الهجرة في الإسلام على وجهين: الأول _ الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن، كما في هجرتي الحبشة، وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة، الثاني _ الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان، وذلك بعد أن استقر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين. وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة، إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص. وبقي عموم الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام لمن قدر عليه واجبا.

    الحديث الثاني
    عن عمر رضي الله تعالى عنه أيضا قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال صدقت، فعجبنا له، يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تبعد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ما لمسئول عنها بأعلم من السائل، قال فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن
    ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. ثم انطلق فلبثت مليا ثم قال: يا عمر، أتدري من السائل؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم)). رواه مسلم
    المفردات:
    رجل: ملك في صورة رجل.
    لا يرى عليه: بالياء المثناة من تحت المضمومة على المشهور. ورواه بعضهم بالنون المفتوحة، وكلاهما صحيح.
    على فخذيه: على فخذي النبي صلى الله عليه وسلم كما يفهم من رواية النسائي.
    أن تشهد أن لا إله إلا الله: يبين معنى هذه الكلمة ما في الرواية الأخرى لأبي هريرة بلفظ ((أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا))
    وأن محمد رسول الله: يجب على الخلق تصديقه وطاعته فيما أمر به، والانتهاء عما نهى عنه.
    وتقيم الصلاة: المكتوبة. أما صلاة النافلة فإنها وإن كانت من وظائف الإسلام فليست من أركانه. وكذلك الزائد على الفرض من الزكاة والصوم والحج.
    تؤتي الزكاة: المفروضة لمستحقيها.
    وتصوم رمضان: تمسك نهاره عن المفطرات بنية.
    وتحج البيت: تقصده لأداء النسك المعدود من أركان الإسلام إن استطعت إليه سبيلا: وهو الزاد والراحلة.
    فعجبنا له يسأله ويصدقه: لأن ما أجا ب به النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف إلا من جهته، وليس هذا السائل ممن عرف بلقاء النبي صلى الله عليه وسلم والسماع منه. ثم هو قد سأل سؤال عارف بما يسأل عنه. لأنه لم يخبره بأنه صادق فيه.
    أن تؤمن بالله: أنه متصف بصفات الكمال، منزه عن صفات النقائص. لا شريك له.
    وملائكته: أنهم كما وصفهم الله: عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.
    وكتبه: أنها كلام الله، وأن ما تضمنته حق.
    ورسله: أنهم صادقون، وأنهم بلغوا كل ما أمرهم الله بتبليغه.
    واليوم الآخر: يوم القيامة بما أشتمل عليه من البعث والحساب والميزان والصراط والجنة والنار، إلى غير ذلك مما صحت فيه النصوص.
    وتؤمن بالقدر خيره وشره: أن الله علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في عمله أن يوجد، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته، خيرا كان أو شرا , وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطئك لم يكن ليصيبك.
    فإن لم تكن تراه فإنه يراك: أي فاستمر على إحسان العبادة فإنه يراك.
    عن الساعة: متى تقوم. والمراد بالساعة يوم القيامة.
    ما المسئول عنها بأعلم من السائل: لا أعلم وقتها أنا ولا أنت، بل هو مما استأثر الله بعلمه.
    أماراتها: بفتح الهمزة: علاماتها.
    أن تلد الأمة ربتها: سيدتها فسر هذا باتساع الإسلام واستيلاء أهله على بلاك الشرك فيكثر التسرى، فيكون ولد الأمة من سيدها بمنزلة سيدها لشرفه بأبيه، وفسر أيضا بكثرة العقوق: حتى يعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة بالسب والضرب والاستخدام. واختاره الحافظ ابن حجر قال: لأن المقام يدل على
    أن المراد حالة تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال مستغربة، وذكر أن التسرى كان موجود حين المقالة، فحمل الحديث عليه فيه نظر.
    الحفاة: جمع حاف. وهو غير المنتعل.
    العراة: جمع عار، وهو من لا شيء على جسده.
    العالة: الفقراء.
    رعاء الشاء: بكسر الراء. حراسها، والشاء: جمع شاة.
    يتطاولون في البنيان: يتفاخرون في تطويل البنيان ويتكاثرون به.
    فلبثت: أقمت بعد انصرافه.
    مليا: بتشديد الياء. زمانا كثيرا، تبينه رواية النسائي والترمذي: (فلبثت ثلاثا)
    يعلمكم دينكم: كليات دينكم.
    يستفاد منه:
    1 - تحسين الثياب والهيئة والنظافة عند الدخول على الفضلاء، فإن جبريل أتى معلما للناس بحاله ومقاله.
    2 - الرفق بالسائل وإدناؤه، ليتمكن من السؤال غير منقبض ولا هائب.
    3 - سؤال العالم مالا يجهله السائل، ليعلمه السامع.
    4 - بيان الإسلام والإيمان والإحسان، وتسميتها كلها دينا.
    5 - التفرقة بين مسمى الإسلام، ومسمى الإيمان، حيث جعل الإسلام في الحديث اسما لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسما لما بطن منها، وقد جمع العلماء بين هذا وبين ما دلت عليه النصوص المتواترة من كون الإيمان قولا وعملا، بأن هذين الاسمين إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده،
    وإذا قرن بينها دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده ودل الآخر على الباقي.
    6 - وجوب الإيمان بالقدر، وهو على درجتين إحداهما _ الإيمان بأن الله سبق في علمه ما يعلمه العباد من خير وشر وطاعة ومعصية قبل خلقهم وإيجادهم، ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن هو منهم من أهل النار، وأعد لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه. الثانية _ أن الله خلق أفعال العباد كلها من الكفر والإيمان والطاعة والعصيان. وشاءها منهم، ومع ذلك لا يحتج به في المعاصي.
    7 - أن وقعت قيام الساعة مما استأثر الله بعلمه.
    8 - أن العالم إذا سئل عما لا يعلم يصرح بأنه لا يعلمه. ولا يعبر بعبارات مترددة بين الجواب والاعتراف بعد م العلم، وأن ذلك لا ينقصه، بل هو دليل على ورعه وتقواه، وعد تكثره بما ليس عنده.
    9 - أن من أشراط الساعة انعكاس الأمور بحيث يصير المربي مربيا. والسافل عاليا.
    10 - أن السؤال الحسن يسمى علما وتعليما، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في جبريل: ((يعلمكم دينكم، مع أنه لم يصدر منه سوى السؤال)).

    الحديث الثالث
    عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآل وسلم يقول: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد ارسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان)) رواه البخاري ومسلم.

    المفردات:
    بني: أسس.
    على خمس: دعائم.
    شهادة أن لا إله إلا الله: في رواية ((بني الإسلام على خمس على ان يعبد الله ويكفر بما دونه))، وهي مبينه لمعنى كلمة التوحيد.
    وإقام الصلاة: المداومة عليها بشروطها.
    وإيتاء الزكاة: إعطائها لمستحقيها.
    وحج البيت: قصده لأداء النسك المعدود من أركان الإسلام وصوم رمضان: الإمساك نهاره عن المفطرات بنية.
    يستفاد منه:
    1 - معرفة أركان الدين، وهو داخل في ضمن حديث جبريل المتقدم.
    2 - أن هذه الفروض الخمسة من فروض الأعيان، لا تسقط بإقامة البعض عن الباقين.
    3 - جواز إطلاق رمضان من غير لفظ (شهر).

    الحديث الرابع
    عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق: ((إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكو علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فو الله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)) رواه البخاري ومسلم.
    المفردات:
    الصادق: المخبر بالحق.
    المصدوق: الذي صدقه الله وعده.
    إن أحدكم: بكسر همزة ((إن)) على حكاية لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، ويجوز الفتح.
    يجمع خلقه: بضم بعضه إلى بعض بعد الانتشار. والمراد بالخلق مادته، وهو الماء الذي يخلق منه.
    في بطن أمه: في رحمها.
    نظفه: منيا. وأصل النطفة: الماء القليل.
    علقة: قطعة دم.
    مثل ذلك: الزمن، وهو الأربعون.
    مضغة. قطعة لحم.
    مثل ذلك: الزمن، وهو الأربعون.
    ثم يرسل إليه الملك: الموكل بالرحم.
    بكتب: ضبط بوجهين: أحدهما بموحدة مكسورة وكاف مفتوحة مثناة ساكنة ثم موحدة، على البدل. والأخر مفتوحة بصيغة المضارع، وهو أوجه: لأنه وقع في رواية ((فيؤذن بأربع كلمات فيكتب)) وكذا في رواية أبي داود وغيره.
    رزقه: تقديره، قليلا أو كثيرا، وصفته حراما أو حلالا.
    وأجله: طويلا كان أو قصيرا، وهو مدة الحياة.
    وعمله: صالحا كان أو فاسدا.
    وشقي أو سعيد: بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي هو شقي أو سعيد والمراد أنه تعالى يظهر ما ذكر من الرزق والأجل والعمل والشقاوة والسعادة للملك، ويأمره بكتابته وإنفاذه.
    بعمل أهل الجنة: من الطاعات.
    حتى ما يكون: حتى هنا ناصبة، وما نافية. ويجوز رفع (يكون) على أن (حتى) ابتدائية.
    فيسبق عليه الكتاب: يغلب عليه ما تضمنه.
    بعمل أهل النار: من المعاصي
    يستفاد منه:
    1 - الإشارة إلى علم المبدأ والمعاد، وما يتعلق ببدن الإنسان وحاله في الشقاوة والسعادة.
    2 - القسم على الخبر الصادق لتأكيده في نفس السامع.
    3 - التنبيه على صدق البعث بعد الموت، لأن من قدر على خلق الشخص من ماء مهين ينقله إلى العلقه ثم إلى المضغة ثم ينفخ الروح فيه، قادر على نفخ الروح فيه بعد أن يصير ترابا، وجمع أجزائه بعد تفريغها، ولقد كان قادرا على أن يخلقه دفعة واحدة. ولكن اقتضت الحكمة نقله في الأطوار المذكورة رفقا بالأم، لأنها لم تكن معتادة فكانت المشقة تعظم عليها، فهيأه في بطنها بالتدريج إلى أن تكامل. ومن تأمل أصل خلقته كان حقا عليه أن يعبد ربه حق عبادته، ويطيعه ولا يعصيه.
    4 - إثبات القدر، وأن جميع الواقعات بقضاء الله وقدره: خيرها وشرها.
    5 - الحث على القناعة. والزجر على الحرص الشديد، لأن الرزق قد سبق تقد يره، وإنما شرع الاكتساب لأنه من جملة الأسباب التي اقتضتها الحكمة في دار الدنيا.
    6 - أنه لا ينبغي لأحد أن يغتر بظاهر الحال لجهالة العاقبة، ومن ثم شرع الدعاء بالثبات على الدين وحسن الخاتمة.
    7 - أن التوبة تهدم ما قبلها.
    8 - أن من مات على شيء حكم له به من خير أو شر، إلا أن أصحاب المعاصي غير الكفر تحت المشيئة.
    9 - الشقاوة والسعادة قد سبق الكتاب بهما، وأنهما مقدرتان بحسب خواتم الأعمال، وأن كلا ميسر لما خلق له.

    الحديث الخامس
    عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)) رواه البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)).
    المفردات:
    أحدث: أنشأ واخترع.
    في أمرنا: ديننا.
    ما ليس منه: من الدين، بأن لا يشهد له شيء من أدلة الشرع وقواعده العامة.
    فهو: الأمر المحدث.
    رد: مردود غير مقبول: من إطلاق المصدر وإرادة إسم المفعول.
    يستفاد منه:
    1 - رد كل محدثة في الدين لا توافق الشرع، وفي الرواية الثانية التصريح بترك كل محدثة سواء أحدثها فاعلها أو سبق إليها، فإنه قد يحتج بعض المعاندين إذا فعل البدعة يقول: ما أحدثت شيئا، فيحتج عليه بالرواية الثانية (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)، وينبغي حفظ هذا الحديث، واستعماله في رد المنكرات.
    2 - أن كل ما شهد له شيء من أدلة الشرع أو قواعده العامة ليس يرد بل هو مقبول.
    3 - إبطال جميع العقود المنهي عنها، وعدم جود ثمراتها المترتبة عليها.
    4 - أن النهي يقتضي الفساد، لأن المنهيات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها.
    5 - أن حكم الحاكم لا يغير ما في باطن الأمر، لقوله (ليس عليه أمرنا) والمراد به الدين.
    6 - أن الصلح الفاسد منتقض، والمأخوذ عنه مستحق للرد.

    الحديث السادس
    عن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)). رواه البخاري ومسلم.
    المفردات:
    الحلال: وهو ما نص الله ورسوله، أو أجمع المسلمون على تحليله. أو لم يعلم فيه منع.
    بين: ظاهر.
    الحرام: وهو ما نص أو أجمع على تحريمه، أو على أن فيه حدا أو تعزيزا، أو وعيدا.
    أمور: شئون وأحوال.
    مشتبهات: ليست بواضحة الحل ولا الحرمة.
    لا يعلمهن كثير من الناس: في راية الترمذي، لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام.
    اتقى الشبهات: تركها وحذر منها. وفيه إيقاع الظاهر موقع المضمر تفخيما لشأن اجتناب الشبهات، إذا هي المشتبهات بعينها.
    استبرأ لدينه: طلب البراءة له من الذم الشرعي وحصلها له.
    وعرضه: يصونه عن كلام الناس فيه بما يشينه ويعيبه. والعرض: موضع المدح والذم من الإنسان.
    ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام: إي إذا اعتادها واستمر عليها. أدته إلى التجاسر إلى الوقوع في الحرام.
    حول الحمى: المحمى المحظور عن غير مالكه.
    يرتع فيه: بفتح التاء، تأكل ماشيته منه فيعاقب.
    وأن لكل ملك: من ملوك العرب.
    حمى: موضعا يحميه عن الناس، ويتوعد من دخل إليه أو قرب منه، بالعقوبة الشديدة.
    محارمه: جمع محرم، وهو فعل المنهي عنه، أو ترك المأمور به الواجب.
    ألا: حرف استفتاح، يدل على تحقق ما بعدها. وفي تكرير ها دليل على عظم شأن مدخولها وعظم موقعه.
    مضغة: قطعة لحم.
    صلحت: بفتح اللام وضمها، والفتح أشهر وقيد بعضهم الضم بالصلاح الذي صار سجية.
    يستفاد منه:
    1 - الحث على فعل الحلال.
    2 - اجتناب الحرام والشبهات.
    3 - أن للشبهات حكما خاصا بها، عليه دليل شرعي يمكن أن يصل إليه بعض الناس وإن خفي على الكثير.
    4 - المحافظة على أمور الدين ومراعاة المروءة.
    5 - أن من لم يتوق الشبهة في كسبه ومعاشه فقد عرض نفسه للطعن فيه، ويعتبر هذا الحديث من أصول الجرح والتعديل لما ذكر.
    6 - سد الذرائع إلى المحرمات، وأدلة ذلك في الشريعة كثيرة.
    7 - ضرب الأمثال للمعاني الشرعية العملية.
    8 - التنبيه على تعظيم قدر القلب والحث على إصلاحه، فإن أمير البدن بصلاحه يصلح، وبفساده يفسد.
    9 - إن لطيب الكسب أثرا في إصلاحه.

    الحديث السابع
    عن أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) رواه مسلم.

    المفردات:
    الدين: دين الإسلام.
    النصيحة: تصفية النفس من الغش للمنصوح له.
    قلنا: معشر السامعين.
    لله: بالإيمان به ونفي الشريك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، وتنزيهه عن جميع النقائص. والرغبة في محابه بفعل طاعته، الرهبة من مساخطه بترك معصيته، والاجتهاد في رد العصاة إليه.
    ولكتابه: بالإيمان، بأنه كلامه وتنزيله، وتلاوته حق تلاوته وتعظيمه، والعمل بما فيه والدعاء إليه. ولرسوله: بتصديق رسالته، والإيمان بجميع ما جاء به وطاعته، وإحياء سنته بتعلمها وتعليمها، والإقتداء به في أقوله وأفعاله، ومحبته ومحبة أتباعه.
    ولأئمة المسلمين: الولاة بإعانتهم على ما حملوا القيام به وطاعتهم وجمع الكلمة عليهم، وأمرهم بالحق ورد القلوب النافرة إليهم، وتبليغهم حاجات المسلمين، والجهاد معهم
    والصلاة خلفهم، وأداء الزكاة إليهم وترك الخروج عنهم بالسيف إذا ظهر منهم حيف، والدعاء لهم بالصلاح. وأما أئمة العلم فالنصيحة لهم بث علومهم ونشر مناقبهم، وتحسين الظن بهم.
    وعامتهم: بالشفقة عليهم، وإرشادهم إلى مصالحهم، والسعي فيما يعود نفعه عليهم، وكف الأذى عنهم، وأن بحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه.
    يستفاد منه:
    1 - الأمر بالنصيحة.
    2 - أنها تسمى دينا وإسلاما.
    3 - أن الدين يقع على العمل كما يقع على القول.
    4 - أن للعالم أن يكل فهم ما يلقيه إلى السامع، ولا يزيد له في البيان حتى يسأله السامع لتشوق نفسه حينئذ إليه، فيكون أوقع في نفسه مما إذا هجمه به من أول وهلة.

    الحديث الثامنعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى)) رواه البخاري ومسلم.
    المفردات:
    أمرت: أمرني ربي، لأنه لا آمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الله عز وجل.
    أن أقاتل: بأن أقاتل، وحذف الجار من (أن) كثير.
    الناس: المشركين من غير أهل الكتاب، لرواية النسائي ((أمرت أن أقاتل المشركين حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، يبين معنى هذه الكلمة، رواية مسلم عن طارق (من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه).
    ويقيموا الصلاة: يداوموا على الإتيان بها بشروطها. والمراد بالصلاة هنا المفروضة لا جنسها.
    ويؤتوا الزكاة: يعطوا الزكاة المفروضة لمستحقيها.
    فإذا فعلوا ذلك: عبر بالفعل هنا عما بعضه قول على سبيل التغليب) أو إرادة المعنى الأعم، إذ القول فعل اللسان.
    عصموا: منعوا وحفظوا.
    إلا بحق الإسلام: بأن يصدر منهم ما يقتضي حكم الإسلام مؤاخذتهم به من قصاص أو حد أو غرامة متلف أو نحو ذلك.
    وحسابهم: في سرائرهم.
    على الله: إذ هو المطلع وحده على ما في القلوب من كفر ونفاق وغير ذلك فمن أخلص في إيمانه جازاه جزاء المخلصين، ومن لا، أجرى عليه في الدنيا أحكام المسلمين، وعذب في الآخرة.
    يستفاد منه:
    1 - اشتراط التلفظ بكلمتي الشهادة في الحكم بالإسلام.
    2 - أنه لا يكف عن قتال المشركين إلا بالنطق بهما , وأما أهل الكتاب فيقاتلون إلى إحدى غايتين: الإسلام، أو أداء الجزية، للنصوص الدالة على ذلك.
    3 - مقاتلة تاركي الصلاة والزكاة.
    4 - أن الإسلام يعصم الدم والمال، وكذلك العرض، الحديث (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ...... )) الحديث.
    5 - أن الأحكام إنما تجري على الظواهر، والله يتولى السرائر.
    6 - أنه لا يجب تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله بهما، فإن النبي صلى الله عليه وسلم اكتفى بما ذكر في الحديث ولم يشترط معرفة الأدلة الكلامية، والنصوص المتظاهرة بعدم اشتراطها يحصل بمجموعها التواتر والعلم القطعي.
    7 - مؤاخذه من أتى بالشهادتين وأقام الصلاة وآتى الزكاة بالحقوق الإسلامية، من قصاص أو حد أو غرامة متلف ونحو ذلك.


    الحديث التاسععن أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله تعلى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم)) رواه البخاري ومسلم.
    المفردات:
    فاجتنبوه: باعدوا منه حتما في المحرم، وندبا في المكروه.
    فأتوا منه: وجوبا في الواجب، وندبا في المندوب.
    استطعتم: أطقتم.
    واختلافهم: بالرفع، لأنه أبلغ في ذم الاختلاف، إذ لا يتقيد حينئذ بكثرة خلافه لو جر، ومعنى الاختلاف على الأنبياء مخالفتهم. وهي تستلزم اختلاف الأمة فيما بينها.
    يستفاد منه:
    1 - الأمر بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي.
    2 - أن النهي أشد من الأمر، لأن النهي لم يرخص في ارتكاب شيء منه،
    وأمر قيد بالاستطاعة، ولهذا قال بعض السلف: أعمال البر يعملها البار والفاجر، والمعاصي لا يتركها إلا صديق.
    3 - أن العجز عن الواجب أو عن بعضه مسقط للمعجوز عنه، لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، إلا أن المعجوز عنه إن كان له بدل فأتى به فقد أتى بما عليه، كمن عجز عن القيام في الصلاة فانتقل إلى الصلاة قاعدا، أو على جنب، وإن عجز عن أصل العبادة فلم يأت بها كالمريض يعجز عن الصيام سقطت عنه المباشرة حالة العجز، ووجب عليه القضاء بعده. وقد يكون الوجوب منوطا بالقدرة حالة الوجوب فقط، فإذا عجز عنه سقط رأسا كزكاة الفطر لمن عجز عن قوته وقوت عياله.
    4 - النهي عن كثرة السؤال. وقد قسم العلماء السؤال إلى قسمين: أحدهما _ ما كان على وجه التعليم لما يحتاج إليه من أمر الدين، فهذا مأمور به لقوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وعلى هذا النوع تتنزل أسئلة الصحابة عن الأنفال والكلالة وغيرهما. والثاني _ ما كان على وجه التعنت والتكلف وهذا هو المنهي عنه.
    5 - تحذير هذه الأمة من مخالفة نبيها، كما وقع في الأمم التي قبلها.

    الحديث العاشر
    عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب له)) رواه مسلم.
    المفردات:
    طيب: مقدس منزه عن النقائص والعيوب.
    لا يقبل: من الأعمال والأموال.
    إلا طيبا: وهو من الأعمال ما كان خاليا من الرياء والعجب، وغيرهما من المفسدات، ومن الأموال الحلال الخالص.
    بما أمر به المرسلين: من الأكل من الطيبات والعمل الصالح.
    أشعث. جعد الرأس.
    أغبر: مغبر اللون لطول سفره في الطاعات.
    يمد يديه: يرفعها بالدعاء إلى الله تعالى.
    غذى: بضم الغين المعجمة وتخفيف الذال المكسورة.
    فأنى يستجاب له: من أين يستجاب لمن هذه صفته. والمراد أنه ليس أهلا للإجابة، وليس صريحا في استحالتها بالكلية.
    يستفاد منه:
    1 - الأمر بإخلاص العمل لله عز وجل.
    2 - الحث على الإنفاق من الحلال
    3 - النهي عن الإنفاق من غيره.
    4 - أن الأصل استواء الأنبياء مع أممهم في الأحكام الشرعية، إلا ما قام الدليل على أنه مختص بهم.
    5 - أن التوسع في الحرام يمنع قبول العمل وإجابة الدعاء.
    6 - أن من أسباب إجابة الدعاء أربعة أشياء: أحدها _ إطالة السفر لما فيه من الانكسار الذي هو من أعظم أسباب الإجابة. الثاني: رثاثة الهيئة، ومن ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره. الثالث: مد اليدين إلى السماء فإن الله حيي كريم، يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفر خائبتين. الرابع: الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء.


    الحديث الحادي عشرعن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب سبط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وريحانته رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) رواه الترمذي والنسائي. وقال الترمذي حديث حسن صحيح.
    المفردات:
    سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم: ابن ابنته فاطمة رضي الله عنها.
    وريحانته: شبهه لسروره وفرحه به وإقبال نفسه عليه بريحان طيب الرائحة، تهش إليه النفس وترتاح له.
    دع: اترك.
    ما يريبك: بفتح ياء المضارعة وضمها، والفتح أفصح وأشهر: أي ما تشك فيه.
    إلى مالا يريبك: ما لا تشك فيه.
    يستفاد منه:
    1 - أن على المسلم بناء أموره على اليقين. وأن يكون في دينه على بصيرة.
    2 - النهي عن الوقوع في الشبهات، والحديث أصل عظيم في الورع وقد روى الترمذي من حديث عطية السعدي مرفوعا ((لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به البأس)).


    الحديث الثاني عشرعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)) حديث حسن، رواه الترمذي وغيره هكذا.
    المفردات:
    من: تبعيضية، أو بيانية.
    ما لا يعنيه: بفتح ياء المضارعة، من عناء الأمر إذا تعلقت به عنايته، وكان من قصده وإرادته.
    يستفاد منه:
    1 - أن من قبح إسلام المرء أخذه فيما لا يعنيه، وهو الفضول كله على اختلاف أنواعه، فإن معاناته ضياع للوقت النفيس الذي لا يمكن أن يعوض فائته فيما لم يخلق لأجله.
    2 - الحث على الاشتغال بما يعني، وهو ما يفوز به المرء في معاده من الإسلام والإيمان والإحسان، وما يتعلق بضرورة حياته في معاشه، فإن المشتغل بهذا يسلم من المخاصمات وجميع الشرور.


    الحديث الثالث عشرعن أبي حمزة أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) رواه البخاري ومسلم.
    المفردات:
    لا يؤمن: يفسر هذا النفي رواية أحمد بلفظ (لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير، وكثيرا ما يأتي هذا النفي لانتفاء بعض واجبات الإيمان وإن بقي أصله.
    لأخيه: في الإسلام.
    ما يحب لنفسه: من الخير كما في رواية أحمد المتقدمة. والخير كلمة جامعة تعم الطاعات والمباحات الدينية والدنيوية. وتخرج المنهيات.
    يستفاد منه:
    - أن من خصال الإيمان أن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه، ويستلزم ذلك أن يبغض له ما يبغض لنفسه، وبهذا تنتظم أحوال المعاش والمعاد، ويجري الناس على مطابقة قوله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وعماد ذلك وأساسه: السلامة من الأمراض القلبية، كالحسد وغيره.


    الحديث الرابع عشرعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)). رواه البخاري ومسلم.
    المفردات:
    لا يحل دم امريء: لا تجوز إراقة دمه. والمراد النهي عن قتله ولو لم يرق دمه.
    مسلم: في رواية ((يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)) وهي صفة كاشفة.
    إلا بإحدى ثلاث: خصال يجب على الإمام القتل بها لما فيه من المصلحة العامة، وهي حفظ النفوس والأنساب والدين.
    الثيب الزاني: من تزوج ووطي في نكاح صحيح ثم زنى بعد ذلك فإنه يرجم حتى يموت.
    والنفس بالنفس: من قتل عمدا بغير حق فإنه يقتل بشرط المكافأة في الدين والحرية. فلا يقتل المسلم بالكافر، ولا الحر بالعبد.
    والتارك لدينه: الإسلام بالارتداد.
    المفارق للجماعة: جماعة المسلمين.
    يستفاد منه:
    1 - أن دم المسلم لا يباح إلا بإحدى ثلاثة أنواع: ترك دين الإسلام، وقتل النفس بالشروط المتقدمة، وانتهاك حرمة الفرج المحرم بالزنى بعد الوطء في نكاح صحيح.
    2 - جواز وصف الشخص بما كان عليه أولا، وانتقل عنه لاستثناء المرتد من المسلمين، اعتبارا لما كان عليه قبل مفارقة دينه.


    الحديث الخامس عشرعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه)) رواه البخاري ومسلم.
    المفردات:
    يؤمن: الإيمان الكامل المنجي من عذاب الله الموصل إلى رضاه
    بالله: أنه الذي خلقه.
    واليوم الآخر: أنه سيجازى فيه بعمله.
    فليقل: هذه اللام لام الأمر، ويجوز سكونها وكسرها لكونها بعد الفاء.
    خيرا: كالإبلاغ عن الله وعن رسوله، وتعليم الخير والأمر بالمعروف عن علم وحلم، والنهي عن المنكر عن علم ورفق، والإصلاح بين الناس، والقول الحسن لهم، وكلمة حق عند من يخاف شره ويرجى خيره، في ثبات وحسن قصد.
    ليصمت: بضم الميم وكسرها، ليسكت.
    فليكرم جاره: بالإحسان إليه وكف الأذى عنه، وتحمل ما يصدر منه، والبشر في وجهه، وغير ذلك من وجوه الإكرام.
    فليكرم ضيفه: بالبشر في وجهه، وطيب الحديث معه، وإحضار المتيسر.
    يستفاد منه:
    1 - التحذير من آفات اللسان، وأن على المرء أن يتفكر فيما يريد أن يتكلم به، فإذا ظهر له أنه لا ضرر عليه في التكلم به تكلم به، وإن ظهر له فيه ضرر أو شك فيه أمسك، وقد ندب الشارع إلى الإمساك عن كثير من المباحات، لئلا تجر صاحبها إلى المحرمات والمكروهات.
    2 - تعريف حق الجار، والحث على حفظ جواره وإكرامه وجاء في تفسير هذا الإكرام عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن إستقرضك أقرضته، وإن استعانك أعنته، وإن مرض عدته، وإن احتاج أعطيته، وإن افتقر عدت عليه، وأصابه خير هنيته، وإن أصابته مصيبة عزيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطيل عليه بالبناء فتحجب عنه الرياح إلا بإذنه، ولا تؤذيه بريح قدرك إلا أن تغرف له منها، وإن اشتريت فاكهة فأهد له، وإن لم تفعل فأدخلها سرا، ولا تخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده. وفي بغض رواياته ((وإن أعوز سترته، وأسانيد هذا الحديث واهية، لكن اختلاف مخارجها يشعر بأن له أصلا في فتح الباري.
    3 - الأمر بإكرام الضيف، وهو من آداب الإسلام وخلق النبيين.
    أن هذه الخصال من شعب الإيمان. وفي ذلك دليل على دخول الأعمال في الإيمان. والخصال المذكورة في الحديث ترجع إلى التخلي عن الرذيلة، والتحلي بالفضيلة


    الحديث السادس عشرعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أوصني، قال: ((لا تغضب فردد مرارا قال لا تغضب)). رواه البخاري.
    المفردات:
    رجلا: لعله أبو الدرداء، والقول بأنه جارية بن قدامة عارضه يحيى القطان بأن جارية المذكور تابعي لا صحابي.
    أوصني: وصية وجيزة جامعة لخصال الخير.
    لا تغضب: لا تتعرض لما يجلب الغضب، ولا تفعل ما يأمرك به.
    فردد: كرر ذلك الرجل قوله ((أوصني)) يلتمس أنفع من ذلك، أو أبلغ أو أعم.
    مرارا: في رواية عثمان بن أبي شيبة بيان عددها، فإنها بلفظ ((لا تغضب ثلاث مرات)).
    قال: النبي صلى الله عليه وسلم له في المرة الثانية والثالثة.
    لا تغضب: فيه بتكرارها على عظيم نفعها وعمومه.
    يستفاد منه:
    1 - معالجة كل ذي مرض بما يناسب مرضه، إن صح أن النبي صلى الله عليه وسلم خص هذا الرجل بهذه الوصية. لأنه كان غضوبا.
    2 - التحذير من الغضب فإنه جماع الشر، والتحرز منه جماع الخير، وفي هذا الوصية استجلاب المصلحة، ودرء المفسدة ما يتعذر إحصاؤه، فإن الغضب يترتب عليه من المفاسد تغير الظاهر والباطن والأثر القبيح في اللسان، أما تغير الظاهر، فبتغير اللون والرعدة في الأطراف، وخروج الأفعال من غير ترتيب، واستحالة الخلقة، بحيث لو رأى الغضبان نفسه لا ستحيا من قبح صورته، وأما الباطن أشد، لأنه يولد الحقد في القلب والحسد، وإضمار السوء على اختلاف أنواعه، بل تغير ظاهره ثمرةتغير باطنه، وأما أثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش الذي يستحى منه العاقل، ويندم قائله عند سكون الغضب، ويظهر أثر الغضب أيضا في الفعل بالضرب أو القتل، وإن فات ذلك بهروب المغضوب عليه رجع الغضبان إلى نفسه فيمزق ثوبه، ويلطم خده، وربما سقط صريعا، وربما أغمى عليه، وربما كسر الآنية، أو ضرب من ليس له جريمة في ذلك.
    3 - الأمر بالأخلاق التي إذا تخلق بها المرء وصارت له عادة دفعت عنه الغضب عند حصول أسبابه، كالكرم والسخاء، والحلم والحياء، والتواضع والاحتمال، وكف الأذى، والصفح والعفو، وكظم الغيظ والشر، ونحو ذلك من الأخلاق الجميلة.


    الحديث السابع عشرعن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته)). رواه مسلم
    المفردات:
    كتب: أوجب.
    على كل شيء: ((على)) هنا بمعنى ((إلى)) أو ((في))
    فإذا قتلتم: قودا أو حدا.
    فأحسنوا القتلة: بأن تختاروا أسهل الطرق وأخفها وأسرعها زهوقا، القتلة بكسر القاف.
    وإذا ذبحتم: ما يحل ذبحه من البهائم.
    فأحسنوا الذبحة: بأن ترفقوا بالبهيمة وبإحداد الآلة، وتوجيهها القبلة والتسمية، ونية التقرب بذبحها إلى الله.
    وليحد: بضم الياء، من حد السكين، وبفتحها من حد شفرته بفتح الشين، آلة الذبح.
    وليرح: بضم الياء.
    ذبيحته: مذبوحته، فعيلة بمعنى مفعولة.
    يستفاد منه:
    1 - الأمر بالإحسان وهو في كل شيء بحسبه، فالإحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنة: الإتيان بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدر من الإحسان فيها واجب، وأما الإحسان بإكمال مستحباتها فمستحب، والإحسان في ترك المحرمات: الانتهاء عنها وترك ظاهرها وباطنها، وهذا القدر منه واجب، والإحسان في الصبر على المقدورات، الصبر عليها من غير تسخط، ولا جزع. والإحسان الواجب في معاملة الخلق ومعاشرتهم: القيام بما أوجب الله من حقوقهم. والإحسان الواجب في ولاية الخلق: القيام فيهم بواجبات الولاية المشروعة. والإحسان في قتل ما يجوز قتله من الدواب: إزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها وأرجاها، من غير زيادة في التعذيب، فإنه إيلام لا حاجة إليه.
    2 - النهي عما كانت عليه الجاهلية من التمثيل في القتل بجدع الأنوف وقطع الآذان والأيدي والأرجل، ومن الذبح بالمدى الكالة ونحوها مما يعذب الحيوان، ومن أكلهم المنخنقة، وما ذكر معها في آية المائدة.


    الحديث الثامن عشرعن أبي ذر جندب بن جنادة، وأبي عبد الرحمن معاذ ابن جبل رضي الله تعالى عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحبح
    المفردات:
    اتق الله: بامتثال أمره واجتناب نهيه، والوقوف عند حده.
    حيثما كنت: في أي مكان كنت فيه حيث يراك الناس، وحيث لا يرونك، فإنه مطلع عليك.
    وأتبع: بالهمزة، وسكون المثناة فوق، وكسر الموحدة: ألحق.
    السيئة: وهي ترك بعض الواجبات، أو ارتكاب بعض المحظورات.
    الحسنة: التوبه منها. أو الإتيان بحسنة أخرى.
    تمحها: تمح عقابها من صحف الملائكة وأثرها السيء في القلب.
    وخالق الناس: عاملهم.
    بخلق حسن: وهو أن تفعل معهم ما تحب أن يفعلوه معك، فبذلك تجمع القلوب، وتتفق الكلمة، وتنتظم الأحوال.
    يستفاد منه:
    1 - الأمر بتقوى الله، وهو وصية الله لجميع خلقه، ووصية الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته.
    2 - إن الإتيان بالحسنة عقب السيئة يمحو السيئة. وهذا من فضل الله تعالى على عبده، فإنه لا بد أن يقع منه أحيانا تفريط في التقوى: إما بترك بعض المأمورات، أو بارتكاب بعض المحظورات، فأمره الله بفعل ما يمحو ذلك التفريط، وهو أن يتبعه بالحسنة.
    3 - الترغيب في حسن الخلق، وهو من خصال التقوى التي لا تتم التقوى إلا به، وإنما أفرد بالذكر للحاجة إلى بيانه، فإن كثيرا من الناس يظن أن التقوى بمجرد القيام بحق الله دون حقوق عباده، وليس الأمر كذلك، بل الجمع بين حقوق الله وبين حقوق عباده هو المطلوب شرعا، وهو عزيز لا يقوى عليه إلا الكمل.


    الحديث التاسع عشرعن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوما، فقال: ((ياغلام إني أعلمك كلمات: أحفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله وأعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت الأقلام وجفت الصحف)). رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وفي رواية غير الترمذي: ((احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا))
    المفردات:
    خلف النبي صلى الله عليه وسلم: على دابته رديفا.
    يا غلام: بضم الميم، لأنه نكره مقصودة بالنداء، وهو الصبي حين يفطم إلى تسع سنين، وسنه إذ ذلك كانت نحو عشر سنين.
    إني أعلمك كلمات: ينفعك الله بها، والتنوين هنا للتعظيم.
    احفظ الله: بملازمة تقواه، واجتناب نواهيه.
    يحفظك: في نفسك وأهلك، ودنياك ودينك، سيما عند الموت.
    احفظ الله: بما مر.
    تجاهك: بضم التاء، أمامك كما في الرواية الآتية.
    إذا سألت: أردت السؤال.
    فاسأل الله: أن يعطيك مطلوبك، ولا تسأل غيره، فإنه لا يملك تنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا عن غيره.
    استعنت: طلبت الإعانة على أمر من أمور الدنيا والآخرة.
    فاستعن بالله: لأنه القادر على كل شيء، وغيره عاجز حتى عن طلب مصالح نفسه ودفع مضارها.
    الأمة: المراد بها هنا سائر المخلوقات.
    رفعت الأقلام وجفت الصحف: كناية عن تقدم كتابة المقادير كلها، والفراغ منها من أمد بعيد.
    تعرف: بتشديد الراء.
    إلى الله في الرخاء: بملازمة طاعته، والإنفاق في جوه القرب.
    يعرفك في الشدة: بتفريجها عنك، وجعله لك من كل ضيق فرجا، ومن كل هم مخرجا.
    واعلم أن ما أخطأك: من المقادير فلم يصل إليك.
    لم يكن ليصيبك: لأنه مقدر على غيرك.
    وما أصابك: منها.
    لم يكن ليخطئك: لأنه مقدر عليك.
    واعلم: تنبيه.
    أن النصر: من الله للعبد على جميع أعداء دينه ودنياه أينما يوجد.
    مع الصبر: على طاعة الله، وعن معصيته، وعن المصائب.
    الفرج: الخروج من الغم.
    الكرب: الغم الذي يأخذ النفس.
    يستفاد منه:
    1 - جواز الإرداف على الدابة إن أطاقته.
    2 - ذكر المعلم للمتعلم أنه يريد أن يعلمه قبل فعله، ليشتد شوقه إلى ما يعلم وتقبل نفسه عليه.
    3 - الأمر بالمحافظة على رعاية حقوق الله تعالى.
    4 - أن الجزاء قد يكون من جنس العمل.
    5 - الأمر بالاعتماد على الله، والتوكل عليه دون غيره، إذ هو النافع الضار، قال الله تعالى: ((وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يردك بخير فلا راد لفضله)) وقدر ما يركن الشخص إلى غير الله عز وجل بطلبه، أو بقلبه أو بأمله قد أعرض عن ربه بمن لا يضره ولا ينفعه، خصوصا إذا كانت الحاجة التي يسألها مما لم تجر العادة بجريانه على أيدي الخلق كالهداية، وشفاء المرض، وحصول العافية من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة، ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل.
    6 - عجز الخلائق كلهم، وافتقارهم إلى الله عز وجل.
    7 - التنبيه على أن هذه الدار عرضة للمصائب، فينبغي الصبر عليها.
    8 - الرضاء بالقضاء والقدر.


    الحديث العشرونعن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)) رواه البخاري.
    المفردات:
    أدرك الناس: توارثوه قرنا بعد قرن، والناس بالرفع والعائد على ما محذوف، ويجوز النصب على أن العائد ضمير الفاعل.
    من كلام النبوة الأولى: التي قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. والمراد أنه مما اتفقت عليه الشرائع، لأنه جاء في أولاها، ثم تتابعت بقيتها عليه.
    إذا لم تستح: من الحياء، وهو خلق يحث على فعل الجميل، وترك القبيح، ويمنع من التفريط في الحق، أما ما ينشأ عنه الإخلال بالحق فليس هو حياء شرعيا، بل هو خور وضعف.
    فاصنع ما شئت: في هذا الأمر ثلاثة أقوال: أحدها _ أنها بمعنى الخبر كأنه يقول: إذا لم يمنعك الحياء فعلت ما شئت، أي ما تدعوك إليه نفسك من القبيح.
    الثاني _ أنه للوعيد، كقوله تعالى: ((اعملوا ما شئتم)) والثالث أنه للإباحة، أي انظر على الفعل الذي تريد أن تفعله، فإن كان مما لا يستحى منه فافعله، وإلا فلا.

    يستفاد منه:
    1 - شرف الحياء، فإنه ما من نبي إلا وقد حث عليه، ولم نسخ فيما نسخ من شرائع الأنبياء، ولم يبدل فيما بدل منها، وذلك لأنه أمر قد على صوابه وبان فضله، واتفقت العقول على حسنه _ وما كان كذلك لا ينسخ.
    2 - أن الحياء هو الذي يكف الإنسان ويردعه عن مواقعة السوء، فإذا رفضه وخلع ربقته كان كالمأمور بارتكاب كل ضلالة، تعاطي كل سيئة.


    الحديث الحادي والعشرونعن أبي عمرو _ وقيل أبي عمرة _ سفيان بن عبد الله رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك. قال: ((قل آمنت بالله، ثم استقم)) رواه مسلم.
    المفردات:
    قل لي في الإسلام: في دينه وشريعته.
    قولا: جامعا لمعاني الدين، واضحا في نفسه، اكتفى به واعمل عليه.
    استقم: الزم عمل الطاعات، وانته عن جميع المخالفات.
    يستفاد منه:
    1 - الأمر بالاستقامة، وهي الإصابة في جميع الأقوال والأفعال والمقاصد. وأصلها استقامة القلب على التوحيد التي فسر بها أبو بكر الصديق قوله تعالى: ((إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا)) فمتى استقام القلب على معرفة الله وخشيته، وإجلاله، ومهابته، ومحبته، وإرادته، ورجائه، ودعائه، والتوكل عليه، والإعراض عما سواه، استقامت الجوارح كلها على طاعته، فإن القلب ملك الأعضاء وهي جنوده، فإذا استقام الملك استقامت جنوده.


    الحديث الثاني والعشرونعن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما: أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وآله
    وسلم فقال: أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئا، أأدخل الجنة؟ قال (نعم). رواه مسلم. ومعنى حرمت الحرام: اجتنبته. ومعنى أحللت الحلال فعلته معتقدا حله.
    المفردات:
    أن رجلا: هو النعمان بن قوفل.
    أرأيت: أخبرني.
    المكتوبات: المفروضات الخمس.
    وصمت رمضان: أمسكت نهاره عن المفطرات بنية.
    وأحللت الحلال: فعلته معتقدا حله.
    وحرمت الحرام: اجتنبته.
    ولم أزد على ذلك شيئا: من التطوع.
    أأدخل الجنة: ابتداء من غير عقاب، لأنه مطلق الدخول يتوقف على التوحيد.
    نعم: تدخل الجنة.
    يستفاد منه:
    1 - أن من قام بالواجبات، وانتهى عن المحرمات دخل الجنة. وقد تواترت النصوص بهذا المعنى.
    2 - جواز ترك التطوعات على الجملة إذا لم يكن من قبيل التهاون، ولا ينافي ذلك أن تاركها فوت نفسه ربحا عظيما. وقد كان الصحابة ومن بعدهم يثابرون على فعل السنن والفضائل مثابرتهم على الفرائض، ولم يكونوا يفرقون بينها في اغتنام الثواب، إنما احتاج الفقهاء ذكر الفرق لما يترتب عليه من وجوب الإعادة وتركها وخوف العقاب على الترك. ونفيه إن حصل ترك بوجه ما. وقد قيل: إنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم تنبيه هذا السائل على السنن والفضائل تسهيلا وتيسيرا لقرب عهده بالإسلام، لئلا يكون الإكثار من ذلك تنفيرا له، وعلم أنه إذا تمكن في الإسلام، وشرح الله صدره، رغب فيما رغب فيه غيره أو لئلا يعتقد أن السنن والتطوعات واجبة.


    الحديث الثالث والعشرونعن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن _ أو تملأ _ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك. كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها)). رواه مسلم.
    المفردات:
    الطهور: بضم الطاء _ التطهير بالماء من الأحداث.
    شطر الإيمان: نصف الإيمان، لأن خصال الإيمان على قسين: أحدهما: يطهر القلب ويزكيه، والأخر: يطهر الظاهر فهما تصفان بهذا الاعتبار، وفي توجيه كون الطهور شطر الإيمان أقوال أخر، والله أعلم بمراد رسوله.
    تملأ الميزان: لعظم أجرها، وسبب ذلك أن التحميد إثبات المحامد كلها لله.
    تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض: لو قدر ثوابهما جسما لملأ ما بين السماء والأرض، لتضمنهما التنزيه والثناء على الله عز وجل و (أو) للشك من الراوي.
    والصلاة: الجامعة لشروطها ومكملاتها.
    نور: يستنير بها قلب المؤمن في الدنيا، وربما يظهر على وجهه البهاء، وتكون له نورا في ظلمات يوم القيامة.
    والصدقة برهان: حجة على إيمان فاعلها بمجازاة يوم القيامة، لأن المنافق يمتنع منها لكونه لا يعتقد الثواب فيها.
    والصبر: المحمود، وهو الصبر على طاعة الله عز وجل، والصبر عن المعاصي، والصبر على الأقدار المؤلمة.
    والقرآن حجة لك: يدلك على النجاة إن عملت به.
    أو عليك: إن أعرضت عنه، فيدل على سوء عاقبتك.
    يغدو: يسعى بنفسه.
    فبائع نفسه: لله بطاعته.
    فمعتقها: من العذاب.
    أو موبقها: مهلكها ببيعها للشيطان والهوى باتباعهما.
    يستفاد منه:
    1 - فضل الطهور.
    2 - فضل التسبيح والتحميد.
    3 - إثبات الميزان الذي توزن به الأعمال يوم القيامة.
    4 - عظم ثواب الصلاة والصدقة والصبر.
    5 - أن من تبع القرآن قاده إلى الجنة، ومن جعله خلف ظهره وأعرض عنه قذف في النار.
    6 - إن كل إنسان إما ساع في إهلاك نفسه، أو في فكاكها، فمن سعى في طاعة الله فقد باع نفسه لله. وأعتقها من عذابه، ومن سعى في معصية الله فقد باع نفسه بالهوان، وأوبقها بالآثام الموجبة لغضب الله وعقابه.


    الحديث الرابع والعشرونعن أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: ((يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي، لو أن أولكم وآخر كم ,وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا.
    يا عبادي لو أن أولكم واخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خير فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)) رواه مسلم.
    المفردات:
    حرمت: منعت.
    الظلم: وهو لغة وضع الشيء في غير موضعه.
    على نفسي: فضلا مني، وجود وإحسانا إلى عبادي، فلا أعاقب البريء على ما لم يفعل من السيئات، ولا أعاقب أحدا بذنب غيره، ولا أنقص المحسن شيئا من جزاء حسناته، ولا أحكم بين الناس إلا بالعدل والقسط.
    وجعلته بينكم محرما: حكمت بتحريمه عليكم.
    فلا تظالموا: بتشديد الظاء وبتخفيفها أصله تتظالموا، لا يظلم بعضكم بعضا.
    كلكم ضال: عن الحق لو ترك، وما يدعوا الطبع من الراحة وإهمال الشرع.
    إلا من هديته: وفقته لا متثال الأمر واحتناب النهي.
    فاستهدوني: اطلبوا مني الدلالة على طريق الحق والإيصال إليها.
    أهدكم: أنصب لكم أدلة ذلك الواضحة، وأوفقكم لها.
    فاستطعموني: اطلبوا مني الطعام.
    تخطئون: بضم التاء على الرواية المشهورة، وروي بفتحها وفتح الطاء: تأثمون.
    وأنا أغفر الذنوب جميعا: غير الشرك وما لا يشاء مغفرته.
    فاستغفروني: سلوني المغفرة، وهي ستر الذنب ومحو أثره. وأمن عاقبته.
    قاموا في صعيد واحد: في أرض واحدة ومقام واحد.
    المخيط: بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الياء _ الإبرة.
    أحصيها: أضبطها وأحفظها بعلمي وملائكتي.
    أوفيكم إياها: أعطيكم جزاءها وافيا تاما.
    فمن وجد خيرا: ثوابا ونعيما بأن وفق لأسبابهما. أو حياة طيبة هنيئة.
    فليحمد الله: على توفيقه للطاعات التي ترتب عليها ذلك الخير والثواب، فضلا منه ورحمة.
    غير ذلك: شرا.
    فلا يلومن إلا نفسه: فإنها آثرت شهواتها على رضا رازقها، فكفرت بأنعمه، ولم تذعن لأحكامه.
    يستفاد منه:
    1 - تحريم الظلم، وذلك متفق عليه في كل ملة، لاتفاق سائر الملل على مراعاة حفظ النفس والأنساب والأعراض والعقول والأموال، والظلم يقع في هذه أو بعضها، وأعظم الظلم الشرك، قال تعالى: (إن الشرك لظلم عظيم.
    2 - وجوب الإقبال على المولى في جميع ما ينزل بالإنسان لافتقار سائر الخلق إليه وعجزهم عن جلب منافعهم ودفع مضارهم إلا بتيسيره. فيجب إفراده بأنواع العبادة: من السؤال والتضرع والاستعانة وغيرها، فإنه المتفرد بخلق العبد وبهدايته وبرزقه، وإحيائه وإماتته، ومغفرة ذنوبه.
    3 - كمال فعله تعالى لتنزيهه عن الظلم وكمال ملكه فلا يزاد بالطاعة ولا ينقص بالمعاصي. وكما غناه فإن خزائنه لا تنفد ولا تنقص بالعطاء. وكمال إحسانه إلى عباده فإنه يجب أن يسألوه جميع مصالحهم الدينية والدنيوية كما يسألونه الهداية والمغفرة، فله تعالى الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله.
    4 - أن الأصل في التقوى والفجور هو القلوب، فإذا بر القلب وأتقى برت الجوارح، وإذا فجر القلب فجرت الجوارح.
    5 - أن الخير كله من فضل الله تعالى على عباده من غير استحقاق. والشر كله من عند ابن آدم من إتباع
    هوى نفسه.


    الحديث الخامس والعشرونعن أبي ذر رضي الله عنه أيضا: أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: ((أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تهليله صدقة، وكل تحميدة صدقه، وكل تهليلة صدقه. وأمر بمعروف صدقه، ونهي عن منكر صدقه، وفي بضع أحدكم صدقه)) قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: ((أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له به أجر)). رواه مسلم.
    المفردات:
    ناسا: هم فقراء المهاجرين، كما في الرواية الأخرى.
    من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: جمع صاحب بمعنى الصحابي: وهو
    من اجتمع بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد النبوة وقبل وفاته مؤمنا به ومات على ذلك، وإن لم يره كابن أم مكتوم.
    الدثور: بضم الدال وبالمثلثه، جمع دثر بفتح فسكون، وهو المال الكثير، بفضول أموالهم: بأموالهم الفاضلة عن كفايتهم.
    تصدقون: الرواية في هذه اللفظة بتشديد الصاد والدال جميعا، ويجوز في اللغة تخفيف الصاد.
    وبكل تكبيرة صدقة: روى برفع صدقة ونصبه، فالرفع على الاستئناف. والنصب عطف على ((إن بكل تسبيحة صدقة)) وكذلك ما بعده.
    بضع: بضم فسكون، يطلق على الجماع وعلى الفرج نفسه، وكلاهما تصلح إرادته هنا.
    وزر: إثم.
    يستفاد منه:
    1 - حرص الصحابة على الأعمال الصالحة وقوة رغبتهم في الخير بحيث كان أحدهم يحزن على ما يتعذر عليه من الخير مما يقدر عليه غيره. لكان الفقراء يحزنون على فوات الصدقة بالمال التي يقدر عليها الأغنياء.
    2 - أن الصدقة لا تختص بالمال بل ربما كانت الصدقة بغيره أفضل، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه دعاء إلى طاعة الله وكف عن معاصيه، وذلك خير من النفع بالمال، وكذلك تعليم العلم النافع، وإقراء القرآن، وإزالة الأذى عن الطريق، والسعي في جلب النفع للناس ودفع الأذى عنهم، والدعاء للمسلمين، والاستغفار لهم.
    3 - فضيلة التسبيح والتكبير والتحميد والتهليل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
    4 - سؤال المستفتي عن بعض ما يخفى من الدليل، إذا علم من حال المسئول أنه لا يكره ذلك، ولم يكن فيه سوء أدب.
    5 - ذكر العالم دليلا لبعض المسائل التي تخفى، وتنبيه المفتي على مختصر الأدلة.
    6 - إحضار النية في المباحات، وأنها تصير طاعات بالنية الصادقة،:كأن ينوي بالجماع قضاء حق الزوجة، ومعاشرتها بالمعروف الذي أمر الله به، أو طلب ولد صالح، إو إعفاف نفسه، أو إعفاف زوجته، وغير ذلك من المقاصد الصالحة.
    7 - جواز القياس. وما نقل عن السلف من ذم القياس: المراد به القياس المصادم للنص.


    الحديث السادس والعشرونعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((كل سلامى من الناس عليه صدقه، كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة)).
    المفردات:
    سلامى: بضم السين المهملة وتخفيف اللام مع القصر، وهي المفاصل. وقد ثبت في صحيح مسلم أنها ثلاثمائة
    وستون.
    عليه: تذكير الضمير مع عوده إلى المؤنث باعتبار المعنى وهو المفصل.
    صدقة: في مقابلة ما أنعم الله به عليه في تلك السلاميات، إذ لو شاء لسلبها القدرة وهو في ذلك عادل. فإبقاؤها يوجب دوام الشكر بالتصدق، إذ لو فقد له عظم واحد، أو يبس، أو لم ينبسط أو ينقبض لاختلت حياته، وعظم بلاؤه، والصدقة تدفع البلاء.
    تطلع فيه الشمس: إتى بهذا القيد لئلا يتوهم أن المراد باليوم هنا المدة الطويلة، كما يقال: يوم صفين. وهو أيام كثيرة. أو مطلق الوقت كما في آية: ((يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم)).
    تعدل بين اثنين: متحاكمين، أومتخاصمين، أو متهاجرين.
    صدقة: عليهما لوقايتهما مما يتسبب على الخصام من قبيح الأقوال والأفعال.
    فتحمله عليها: كما هو أو تعينه على الركوب.
    والكلمة الطيبة: وهي الذكر والدعاء للنفس والغير، ومخاطبة الناس بما فيه السرور، واجتماع في القلوب وتألفها.
    خطوة: بفتح الخاء: المرة الواحدة، وبضمها: ما بين القدمين.
    تميط: بضم أوله _ تنحى.
    الأذى: ما يؤذي المارة: من قذر ونجس وحجر وشوك، ونحو ذلك.
    يستفاد منه:
    1 - أن تركيب عظام الآدمي وسلامتها من أعظم نعم الله تعالى عليه، فيحتاج كل عظم منها إلى تصدق عنه بخصوصه ليتم شكر تلك النعمة.
    2 - المداومة على النوافل كل يوم، وأن العبادة إذا وقعت في يوم لا يعني عن يوم آخر، فلا يقول القائل مثلا: قد فعلت أمس فأجزأ عني اليوم، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((كل يوم تطلع فيه الشمس)).
    3 - أن الصدقة لا تنحصر في المال.
    4 - فضل الإصلاح بين الناس.
    5 - الحث على حضور الجماعات والمشي إليها، وعمارة المساجد بذلك، إذ لو لى في بيته فإنه الأجر المذكور في الحديث.
    6 - الترغيب في إماطة الأذى، وفي معنا هـ: توسيع الطرق التي تضيق على المارة، وإقامة من يبيع ويشتري في وسط الطرق العامة.
    7 - أن قليل الخير يحصل به كثير الأجر بفضل الله تعالى.


    الحديث السابع والعشرونعن النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس)). رواه مسلم.
    وعن وابصة بن معبد رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ((جئت تسأل عن البر؟ قلت نعم قال _ استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك)) حديث حسن، رويناه في مسندي الإمامين أحمد بن حنبل، والدارمي بإسناد صحيح.
    المفردات:
    البر: معظمه، وهو عبارة عما اقتضاه الشرع وجوبا أو ندبا.
    حسن الخلق: وهو الإنصاف في المعاملة، والرفق في المجادلة، والعدل في الأحكام،
    والبذل والإحسان في اليسر، والإيثار في العسر، وغير ذلك، من الصفات الحميدة.
    والإثم: الذنب.
    حالك في صدرك: اختلج في النفس وتردد في القلب، ولم يطمئن إليه.
    وكرهت: كراهة دينية.
    أن يطلع عليه الناس: وجوههم وأماثلهم الذين يستحى منهم.
    اطمأنت إليه النفس: سكنت إليه النفس الطيبة.
    أفتاك الناس: علماؤهم، كما في الرواية، (وإن أفتاك المفتون).
    وأفتوك: بخلافه، لأنهم إنما يقولون على ظواهر الأمور دون بواطنها.
    يستفاد منه:
    1 - ضابط البر والإثم.
    2 - الترغيب في حسن الخلق.
    3 - أن الحق والباطل لا يلتبس أمرهما على المؤمن البصير، بل يعرف الحق بالنور الذي في قلبه، وينفر عن الباطل فينكره.
    4 - معجزة عظيمة للنبي صلى الله عليه وسلم، حيث أخبر وابصة بما في نفسه قبل أن يتكلم به، وأبرزه في حيز الاستفهام التقريري مبالغة في إيضاح إطلاعه عليه واحاطته به.
    5 - أن الفتوى لا تزيل الشبهة إذا كان المستفتي ممن شرح الله صدره. وكان المفتي إنما أفتى بمجرد ظن، أو ميل إلى الهوى من غير دليل شرعي، فأما ما كان له مع المفتي به دليل شرعي فيجب على المستفتي قبوله وإن لم ينشرح صدره، كالمطر في السفر والمرض، وقصر الصلاة في السفر، ونحو ذلك مما لا ينشرح به صدور كثير من الجهال.

    الحديث الثامن والعشرونعن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا. قال: ((أوصيكم بتقوى الله عز وجل، والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليك بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة)) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
    المفردات: وعظنا: نصحنا وذكرنا.
    موعظة: تنويها للتعظيم، أي موعظة جليلة.
    وجلت: خافت.
    منها: من أجلها.
    ذرفت: سالت بالدموع.
    كأنها موعظة مودع: فهموا ذلك من مبالغته صلى الله عليه وسلم في تخويفهم
    وتحذيرهم، فظنوا أن ذلك لقرب مفارقته لهم، فإن المودع يستقصي ما لا يستقصي غير في القول والفعل.
    فأوصنا: وصية جامعة كافية.
    بتقوى الله: امتثال أوامره، واجتناب نواهيه.
    والسمع والطاعة: لولاة الأمور، فيجب الإصغاء إلى كلام ولي الأمر، ليفهم ويعرف، وتجب طاعته.
    فسيرى اختلافا: في الأقوال والأعمال والاعتقادات.
    فعليكم بسنتي: الزموا التمسك بها، وهي طريقته صلى الله عليه وسلم، مما أصله من الأحكام الإعتقادية والعملية الواجبة والمندوبة وغيرها.
    الراشدين: الذين عرفوا الحق واتبعوه، والمراد بالخلفاء الراشدين: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي.
    عضوا: بفتح العين وضمها غلط.
    بالنواجذ: أواخر الأضراس.
    بدعة: وهي ما أحدث على خلاف أمر الشارع، ودليله الخاص أو العام.
    يستفاد منه:
    1 - المبالغة في الموعظة، لما في ذلك من ترقيق القلوب، فتكون أسرع إلى الإجابة.
    2 - الاعتماد على القرائن في بعض الأحوال، لأنهم إنما فهموا توديعه إياهم بإبلاغه في الموعظة أكثر من العادة.
    3 - أنه ينبغي سؤال الواعظ الزيادة في الوعظ والتخويف والنصح.
    4 - علم من أعلام النبوة، فإنه صلى الله عليه وسلم أخبر بما يقع بعده في أمته من كثرة الاختلاف _ ووقع الأمر كذلك.
    5 - الأمر بتقوى الله والسمع والطاعة، وفي هذه الوصية سعادة الدنيا والآخرة، أما التقوى فهي وصية الله للأولين والآخرين، وأما السمع والطاعة فبهما تنتظم مصالح العباد في معاشهم، ويستطيعون إظهار دينهم وطاعاتهم.
    6 - التمسك بالسنة والصبر على ما يصيب المتمسك من المضض في ذلك، وقد قيل: إن هذا هو المراد بعض النواجذ عليها.
    7 - أن الواحد من الخلفاء الراشدين إذا قال قولا وخالفه فيه غيره كان المصير إلى قول الخليفة أولى.
    8 - التحذير من ابتداع الأمور التي ليس لها أصل في الشرع، أما ما كان مبنيا على قواعد الأصول ومردودا إليها. فليس ببدعة ولا ضلالة.

    الحديث التاسع والعشرونعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال قلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني عن النار، قال: ((لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله تعلى عليه: تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال _ ألا أدلك على أبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفيء الخطيئة كما يطفيء الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا ((تتجافى جنوبهم عن المضاجع _ حتى بلغ _ يعملون)) ثم قال: ((ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ _ الجهاد _ ثم قال _ ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا. قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم _ أو قال
    على مناخرهم _ إلا حصائد ألسنتهم)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
    المفردات:
    لقد سألت عن عظيم: عن عمل عظيم، لأن دخول الجنة والنجاة من النار أمر عظيم جدا، لأجله أنزل الله الكتب، وأرسل الرسل.
    من يسره الله عليه: بتوفيقه إلى القيام بالطاعات على ما ينبغي.
    تعبد الله: توحده.
    على أبواب الخير: من النوافل، لأنه قد دله على واجبات الإسلام قبل.
    الصوم: الإكثار من نفله، لأن فرضه مر ذكره قريبا.
    جنة: بضم الجيم _ وقاية لصاحبه من المعاصي في الدنيا، ومن النار في الآخرة.
    الصدقة: نفلها، لأن فرضها مر.
    وصلاة الرجل في جوف الليل: يعني أنها تطفيء الخطيئة، والمرأة مثل الرجل في ذلك، وإنما خص الرجل بالذكر لغلبة الخير في الرجال، أو لأن السائل رجل.
    تلا: النبي صلى الله عليه وسلم، ليبين فضل صلاة الليل.
    تتجافى: تتنحى.
    المضاجع: مواضع الاضطجاع للنوم.
    ثم قال: النبي صلى الله عليه وسلم.
    برأس الأمر: الذي سألت عنه.
    ذروة: بضم الذال وكسرها _ الطرف الأعلى.
    بملاك ذلك كله: بمقصوده وجماعه، وما يعتمد عليك. والملاك بكسر الميم وفتحها.
    فأخذ بلسانه: أمسك النبي صلى الله عليه وسلم لسان نفسه.
    كف عليك: عنك. أو ضمن ((كف)) معنى أحبس.
    ثكلتك: فقدتك. ولم يقصد رسول الله حقيقة الدعاء. بل جرى ذلك على عادة العرب في المخاطبات.
    وهل: استفهام إنكار، بمعنى النفي.
    يكب: بضم الكاف _ يصرع.
    الناس: أكثرهم.
    حصائد ألسنتهم: ما يقتطعونه من الكلام الذي لا خير فيه.
    يستفاد منه:
    1 - شدة اهتمام معاذ رضي الله عنه بالأعمال الصالحة.
    2 - أن الأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة، كما قال تعالى: ((وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون)) وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((لن يدخل الجنة أحد منكم بعمله، فالمراد أن العمل بنفسه لا يستحق به أحد الجنة، لولا أن الله جعله بفضله ورحمته سببا لذلك، والعمل نفسه من فضل الله ورحمته على عبده، فالجنة وأسبابها كل من فضل الله ورحمته.
    3 - أن التوفيق بيد الله عز وجل، فمن يسر عليه الهداية اهتدى. ومن لم ييسر عليه، لم ييسر له ذلك.
    4 - ترتب دخوله الجنة على الإتيان بأركان الإسلام الخمسة، وهي: التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج.
    5 - فضل التقرب بالنوافل بعد أداء الفرائض.
    6 - أن الصدقة تكفر بها السيئات.
    7 - فضل الصلاة في جوف الليل.
    8 - أن الصلاة من الإسلام بمنزلة العمود الذي تقوم عليه الخيمة، يذهب الإسلام بذهابها، كما تسقط الخيمة بسقوط عمودها.
    9 - فضل الجهاد.
    10 - أن كف اللسان وضبطه وحبسه هو أصل الخير كله، فإن معصية النطق يدخل فيها الشرك الذي هو أعظم الذنوب عند الله عز وجل، والقول على الله بغير علم، وهو قرين الشرك وشهادة الزور والسحر والقذف والغيبة والنميمة، وسائر المعاصي القولية. بل المعاصي الفعلية لا تخلو غالبا من قول يقترن بها يكون معينا عليها.

    الحديث الثلاثونعن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها)). حديث حسن. رواه الدارقطني وغيره.
    المفردات:
    فرض: أوجب وألزم.
    فرائض: وهي ما فرض الله على عباده، وألزمهم القيام به.
    فلا تضيعوها: بالترك أو التهاون فيها حتى يخرج وقتها، بل قوموا بها كما فرض عليكم.
    وحد حدودا: وهي جملة ما أذن الله في فعله، سواء كان على طريق الوجوب أو الندب أو الإباحة.
    فلا تعتدوها: فلا تجاوزوا ما حد لكم بمخالفة المأمور وارتكاب المحظور.
    فلا تنتهكوها: لا تتناولوها ولا تقربوها.
    وسكت عن أشياء: فلم يحكم فيها بوجوب ولا حل ولا حرمة.
    رحمة لكم: بعدم تحريمها حتى يعاقب على فعلها، وعدم إيجابها حتى يعاقب على تركها.
    غير نسيان: لأحكامها _ لا يضل ربي ولا ينسى.
    فلا تبحثوا عنها: لا تفتشوا عنها، لأن ذلك ربما يفضي إلى التكليف الشاق.
    يستفاد منه:
    تقسيم أحكام الدين إلى أربعة أقسام: فرائض حقها ألا تضيع، ومحارم حقها أن لا تقرب، وحدود حقها عدم مجاوزتها، ومسكوت عنه حقه ألا يبحث عنه، وهذا يجمع أحكام الدين كلها، ومن عمل به حاز الثواب وأمن العقاب، ولهذا قال بعض العلماء: ليس في الأحاديث حديث واحد أجمع بانفراده لأصول الدين وفروعه من هذا الحديث.


    الحديث الحادي والثلاثونعن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال: ((ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس)). حديث حسن، رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة.
    المفردات:

    دلني: أرشدني.
    ازهد في الدنيا: اقتصر على قدر الضرورة منها.
    يحبك الله: لإعراضك عما أمر بالإعراض عنه.
    وازهد فيما عند الناس: من الدنيا.
    يحبك الناس: لأن قلوبهم مجبولة على حب الدنيا، ومن نازع إنسانا في محبوبه كرهه وقلاه، ومن لم يعارضه فيه أحبه.
    يستفاد منه:
    1 - أن الزهد في الدنيا من أسباب محبة الله تعالى لعبده، ومحبة الناس له.
    2 - أنه لا بأس بالسعي فيما تكتسب به محبة العباد مما ليس بمحرم، بل هو مندوب إليه، كما يدل عليه الأمر بإفشاء السلام، وغير ذلك من جوالب المحبة التي أمر بها الشارع.

    الحديث الثاني والثلاثونعن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لا ضرر ولا ضرار)) حديث حسن. رواه ابن ماجة والدارقطني وغيرهما مسندا، ورواه مالك في الموطأ مرسلا عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم _ فأسقط أبا سعيد، وله طرق بقوي بعضها بعضا.
    المفردات:
    لا ضرر: لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئا من حقه.
    ولا ضرار: لا يجازي من ضره بأكثر من المقابلة بالمثل، والانتصار بالحق. وفي تفسير (لا ضرر ولا ضرار) أقوال غير هذا لا نطيل بذكرها.
    يستفاد منه:
    1 - أن الضرر يزال، وينبني على ذلك كثير من أبواب الفقه، كالرد بالعيب، وغيره مما يدخل تحت هذه القاعدة المأخوذة من الحديث.
    2 - منع التصرف في ملك الإنسان بما يتعدى ضرره إلى الغير على غير
    الوجه المعتاد، مثل أن يؤجج في أرضه نارا في يوم عاصف فيحترق ما يليه، فإنه متعد بذلك وعليك الضمان.
    3 - النهي عن المجازاة بأكثر من المثل.
    4 - أن ما أمر الله به عباده هو عين صلاح دينهم، ودنياهم. وما نهاهم عنه هو عين فساد دينهم، ودنياهم، ولم يأمرهم بشيء يضرهم، ولذلك أسقط الطهارة بالماء عن المريض، وأسقط المطالبة بالدين عند إعسار المدين إلى الميسرة، إلى غير ذلك مما يدل على أن شريعتنا سمحة.


    الحديث الثالث والثلاثونعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)) حديث حسن، رواه البيهقي وغيره هكذا، وبعضه في الصحيحين.
    المفردات:
    بدعواهم: بمجرد إخبارهم عن لزوم حق لهم على آخرين عند حاكم، لا ادعى رجال خصوا بالذكر لأن ذلك من شأنهم غالبا.
    دماء رجال وأموالهم: فلا يتمكن المدعى عليه من صون دمه وماله.
    المدعى: هو من يذكر أمرا خفيا يخالف الظاهر.
    واليمين على من أنكر: لأن الأصل براءة ذمته، مما طلب منه وهو متمسك به.
    يستفاد منه:
    1 - أنه لا يحكم لأحد بمجرد دعواه.
    2 - أنه لا يجوز الحكم إلا بما رتبه الشرع، وإن غلب على الظن صدق المدعى.
    3 - أن اليمين على المدعى عليه مطلقا.


    الحديث الرابع والثلاثونعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)).رواه مسلم.
    المفردات:
    رأى: علم.
    منكم: معشر المسلمين المكلفين.
    منكرا: شيئا قبحه الشرع فعلا وقولا، ولو صغيرا.
    فليغيره: فليزله.
    بيده: حيث كان مما يزال بها، ككسر آلة لهو، وآنية خمر.
    فإن لم يستطع: الإنكار بيده، لكون فاعله أقوى منه، ويلحقه الضرر بالتغيير باليد.
    فبلسانه: بالقول: كالتذكير، أو بالتوبيخ.
    فإن لم يستطع: ذلك بلسانه لوجود ما نع، كخوف فتنة، أو خوف على نفس، أو نحو ذلك.
    فبقلبه: ينكره وجوبا بأن يكرهه به، ويعزم أنه لو قدر يقول، أو فعل لقال وفعل.
    وذلك: الإنكار بالقلب.
    أضعف الإيمان: أقله ثمرة.
    يستفاد منه:
    1 - وجوب تغيير المنكر بكل ما أمكنه مما ذكر، فلا يكفي الوعظ لمن تمكنه إزالته بيده، ولا القلب لمن تمكنه إزالته باللسان.
    2 - أن الإنكار إنما يتعلق بتحقيق الشيء، وليس على الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر اقتحام الدور بالظنون، إلا إذا أخبره من يثق بقوله: أن رجلا خلا برجل ليقتله، أو بامرأة ليزني بها، أو نحو ذلك مما لا يتدارك، فإنه يجب عليه البحث خوف الفوات.
    3 - أن من قدر على خصلة من خصال الإيمان، وفعلها أفضل ممن تركها عجزا، كما يدل عليه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم في النساء: أما نقصان دينها فإنها تمكث الأيام والليالي لا تصلي، فدل على أن من قدر على الواجب وفعله أولى، وأفضل ممن تركه عجزا، أو معذورا.
    أن عدم إنكار المنكر بالقلب دليل على ذهاب الإيمان منه، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله ع نه: ((هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر))


    الحديث الخامس والثلاثونعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تحاسدوا، ولا تناجشوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره. التقوى ههنا _ ويشير إلى صدره ثلاث مرات _ بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه)). رواه مسلم
    المفردات:
    لا تحاسدوا: لا يحسد بعضكم بعضا.
    ولا تناجشوا: لا يزد بعضكم في ثمن سلعة لا يريد شراءها. ليخدع بذلك غيره ممن يرغب فيها.
    ولا تباغضوا: لا تتعاطوا أسباب التباغض.
    ولا تدابروا: لا يعط أحد منكم أخاه دبره حين يلقاه مقاطعة له.
    ولا يبع بعضكم على بيع بعض: بأن يقول لمن اشترى سلعة في مدة الخيار: افسخ هذا البيع، وأنا أبيعك مثله بأرخص منه ثمنه، أو أجود منه بثمنه. أو يكون المتبايعان قد تقرر
    الثمن بينهما وتراضيا، ولم يبق إلا العقد فيزيد عليه، أو يعطيه بأنقص، وهذا بعد استقرار الثمن، أما قبل الرضا فليس بحرام.
    وكونوا عباد الله أخوانا: كالتعليل لما تقدم، أي تعاملوا معاملة الأخوة في المودة، والرفق والشفقة والملاطفة، والتعاون في الخير، ونحو ذلك مع صفاء القلوب.
    المسلم أخو المسلم: لأنه يجمعهما دين واحد، قال تعالى: ((إنما المؤمنون أخوة)).
    لا يظلمه: لا يدخل عليه ضررا في نفسه، أو دينه، أو عرضه، أو ماله بغير إذن شرعي.
    ولا يخذله: لا يترك نصرته المشروعة، لأن من حق حقوق أخوة الإسلام: التناصر.
    ولا يكذبه: بفتح ياء المضارعة، وتخفيف الذال المكسورة على الأشهر، ويجوز ضم أوله وإسكان ثانية _ لا يخبره بأمر خلاف الواقع.
    ولا يحقره: بالحاء المهملة والقاف _ لا يستصغر شأنه ويضع من قدره، لأن الله لما خلقه لم يحقره بل رفعه وخاطبه وكلفه.
    التقوى: اجتناب عذاب الله بفعل المأمور، وترك المحظور.
    بحسب امريء من الشر: يكفيه من الشر.
    عرضه: حسبه، وهو مفاخره ومفاخر آبائه، وقد يراد به النفس.
    يستفاد منه:
    1 - تحريم الحسد، والتباغض، والتدابر، وبيع البعض على بيع البعض.
    2 - النهي عن أذية المسلم بأي وجه من الوجوه من قول أو فعل.
    3 - النهي عن الأهواء المضلة، لأنها توجب التباغض.
    4 - الأمر باكتساب ما يصير به المسلمون إخوانا على الإطلاق، ويدخل في ذلك أداء حقوق المسلم على المسلم: كر د السلام، وابتدائه، وتشميت العاطس، وعيادة المريض، وتشييع الجنائز، وإجابة الدعوة، والنصح.
    5 - تحريم الظلم.
    6 - أن من حقوق المسلم على المسلم نصره إذا احتاج إليه، سواء كان ذلك الأمر دنيويا مثل أن يقدر على دفع عدو يريد أن يبطش به، فيجب عليه دفعه، أو دينيا مثل أن يقدر على نصحه عن غيه بنحو وعظ فيجب عليه حينئذ النصح، وتركه هو الخذلان المحرم.
    7 - التحذير من تحقير المسلم، فإن الله لم يحقره إذ خلقه، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض، وسماه مسلما، ومؤمنا، وعبدا، وجعل الرسول منه إليه محمدا صلى الله عليه وسلم. فمن حقر مسلما من المسلمين فقد حقر ما عظمه الله تعالى.
    8 - إن عمدة التقوى ما في القلب من عظمة الله، وخشيته ومراقبته، ولا اعتبار بمجر د الأعمال الصالحة بدون ذلك.
    9 - تحريم دماء المسلمين، وأموالهم وأعراضهم.


    الحديث السادس والثلاثونعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من نفس عن مؤمن كربة ن كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)) رواه مسلم بهذا اللفظ.
    المفردات:
    نفس: أزال وفرج.
    كربة: شدة عظيمة، وهي ما أهم النفس، وغم القلب.
    ومن يسر على معسر: بإنظاره إلى الميسرة، أو بإعطائه ما يزول به إعساره، أو بالوضع عنه إن كان غريما.
    يسر الله عليه: أموره ومطالبه.
    ومن ستر مسلما: لم يعرف بأذى، أو فساد، بأن علم منه وقوع معصية فيما مضى، لم يخبر بها أحدا.
    ستره الله في الدنيا والآخرة: بألا يعاقبه على ما فرط منه.
    من سلك طريقا: بالمشي بالأقدام إلى مجالس العلم، ويتناول أيضا الطريق المعنوي: كالحفظ والمذاكرة والمطالعة والتفهم.
    يلتمس: يطلب.
    علما: شرعيا، قاصدا به وجه الله تعالى.
    سهل الله له طريقا إلى الجنة: بتيسير ذلك العلم الذي طلبه والعمل بمقتضاه أو علوم أخرى توصله إلى الجنة، ويحتمل أن يراد به تسهيل طريق الجنة الحسي يوم القيامة وهو الصراط.
    من بيوت الله: المساجد.
    السكينة: الطمأنينة والوقار.
    غشيتهم الرحمة: شملتهم من كل جهة.
    حفتهم الملائكة: أحاطت بهم بحيث لا يدعون للشيطان فرجة يتوصل منها للذاكرين.
    وذكرهم الله: أثنى عليهم.
    فيمن عنده: من الملائكة.
    بطأ: قصر، لفقد بعض شروط الصحة أو الكمال.
    لم يسرع به نسبه: لم يلحقه برتب أصحاب الأعمال الكاملة: لأن المسارعة إلى السعادة بالأعمال لا بالأحساب.
    يستفاد منه:
    1 - فضل قضاء حاجات المسلمين ونفعهم بما تيسر من علم. أو جاه أو مال، أو إشارة، أو نصح، أو دلالة على خير، أو إعانة بنفسه، أو بوساطته، أو الدعاء بظهر الغيب.
    2 - الترغيب في التيسير على المعسر. والأحاديث في فضل ذلك كثيرة، منها خبر مسلم: ((من سره أن ينجيه الله تعالى من كرب يوم القيامة، فليقض عن معسر أو يضع عنه)).
    3 - الترغيب في ستر المسلم الذي لم يكن معروفا بالفساد أما المعروف الذي لا يبالي ما ارتكب منه، ولا بما قيل له، فلا يستر عليه، بل ترفع قضيته إلى ولي الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة، لأن الستر على ذلك يطغيه في الفساد وانتهاك الحرمات، ويجزيء غيره على مثل فعله. وهذا كله إنما هو في معصية انقضت، أما التي رآه عليها وهو بعد متلبس بها فتجب المبادرة بإنكارها، ومنعه منها على من قدر على ذلك، ولا يحل له التأخير، فإن عجز لزمه رفع ذلك إلى ولي الأمر إذا لم تترتب على ذلك مفسدة.
    4 - أن العبد إذا عزم على معاونة أخيه فينبغي له أن لا يجبن عن إنفاذ قوله وصدعه بالحق، إيمانا بأن الله تعالى في عونه.
    5 - فضل الاشتغال بطلب العلم.
    6 - الحث على الاجتماع على تلاوة القرآن في المساجد.
    7 - أن الجزاء إنما رتبه الله على الأعمال لا على الأنساب.
    8 - أن الجزاء تارة يكون من جنس الفعل.


    الحديث السابع والثلاثونعن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال: ((إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، إن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة)) رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما بهذه الحروف.
    المفردات:
    تبارك: تعاظم.
    وتعالى: تنزه عما لا يليق بكماله.
    كتب الحسنات والسيئات: قدرهما في علمه على وفق الواقع.
    بين ذلك: للكتبة من الملائكة.
    كتبها الله: للذي هم بها، أي أمر الحفظة بكتابتها.
    حسنة كاملة: لا نقص فيها، وإن نشأت عن مجرد الهم.
    ضعف: بكسر الضاد مثل وقيل مثلين.
    إلى أضعاف كثيرة: بحسب الزيادة في الإخلاص وصدق العزم، وحضور القلب، وتعدى النفع.
    سيئة واحدة: تفضلا منه سبحانه، حيث لم يأخذ عبده بمجرد الهم في جانب السيئة، ولم يضاعفها عليه بعد وقوعها.
    يستفاد منه:
    1 - بيان فضل الله العظيم على هذه الأمة، إذ لو ما ذكر في الحديث لعظمت المصيبة، لأن عمل العباد للسيئات أكثر.
    2 - أن الحفظة يكتبون أعمال القلوب، خلافا لمن قال إنهم لا يكتبون إلا ألأعمال الظاهرة.
    3 - أن الهم بالحسنة يكتب حسنة كاملة.
    4 - أن من هم بالحسنة فعلمها كتبها الله عنده عشر حسنات، إلا أن يشاء الزيادة على ذلك.
    5 - أن الهم بالسيئة من غير عمل يكتب حسنة، لكن الترك الذي يثاب عليه هو الترك مع القدرة لوجه الله عز وجل، لما في بعض روايات هذا الحديث (( ...... إ، ما تركها من جرائى)).
    6 - أن السيئة تكتب بمثلها من غير مضاعفة ولا ينافي ذلك أنها تعظم بشرف الزمان والمكان، أو قوة معرفة الفاعل لله وقربه منه.
    7 - أن التضعف لا يتقيد بسبعمائة.


    الحديث الثامن والثلاثونعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)). رواه البخاري.
    المفردات:
    عادى: من المعاداة ضد الموالاة، وفي رواية: ((من أهان))
    وليا: وهو العالم به، المواظب على طاعته، المخلص في عبادته.
    آذنته بالحرب: أعلمته بأني محارب له.
    عبدي: هذه الإضافة للتشريف.
    يتقرب إلي: يطلب القرب مني، وفي رواية: ((يتحبب إلى))
    بالنوافل: التطوعات من جميع أصناف العبادات.
    كنت سمعه إلخ: المراد بهذا حفظ هذه المذكورات من أن تستعمل في معصية، فلا يسمع ما لم يأذن له الشرع بسماعه، ولا يبصر ما لم يأذن له في إبصاره،
    ولا يمد يده إلى شيء لم يأذن له في مدها إليه، ولا يسعى إلا فيما أذن الشرع في السعي إليه.
    لأعطينه: ما سأل.
    ولئن استعادني: بنون الوقاية وروي بباء موحدة تحتية , والأول أشهر.
    لأعيذنه: مما يخاف.
    يستفاد منه:
    1 - أن الله سبحانه وتعالى قدم الإعذار إلى كل من عادى وليا أنه قد آذنه بأنه محاربه بنفس المعاداة. ولا يدخل في ذلك ما تقتضيه الأحوال في بعض المرات من النزاع بين وليين لله تعلى في محاكمة أو خصومة راجعة لاستخراج حق غامض، فإن هذا قد وقع بين كثير من أولياء الله عز وجل.
    2 - أن أداء الفرائض هو أحب الأعمال إلى الله تعالى، وذلك لما فيها من إظهار عظمة الربوبية، وذل العبودية.
    3 - أن النافلة إنما تقبل إذا أديت الفريضة، لأنها لا تسمى نافلة إلا إذا قضيت الفريضة.
    4 - أن أولياء الله تعالى هم الذين يتقربون إليه بما يقربهم منه، فظهر بذلك بطلان دعوى أن هناك طريقا إلى الولاية غير التقرب إلى الله تعالى بطاعاته التي شرعها.
    5 - أن من أتى بما وجب عليه، وتقرب بالنوافل وفقه الله بحيث لا يسمع ما لم يأذن به الشرع، ولا يبصر ما لم يأذن له في إبصاره، ولا يمد يده إلى شيء لم يأذن له الشرع في مدها إليه، ولا يسعى إلا فيما أذن له في السعي إليه. وهذا هو المراد بقوله: ((كنت سمعه إلخ)) لا ما يذكره الاتحادية والحلولية. تعالى الله عن قولهم.
    6 - أن من كان بالمنزلة المذكورة صار مجاب الدعوة.
    7 - أن العبد ولو بلغ أعلى الدرجات لا ينقطع عن الطلب من ربه لما في ذلك من الخضوع له، وإظهار العبودية.


    الحديث التاسع والثلاثونعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله تجاوز لي عن أمتي: الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) حديث حسن رواه بان ماجه، والبيهقي وغيرهما.
    المفردات:
    تجاوز: رفع.
    عن أمتي: أمة الإجابة.
    الخطأ: وهو أن يقصد بفعله شيئا فيصادف غير ما قصد.
    والنسيان: بكسر النون _ ضد الذكر.
    استكرهوا عليه: حملوا عليه قهرا.
    يستفاد منه:
    رفع الإثم عن المخطىء والناسي والمستكره، وأما الحكم فغير مرفوع، فلو أتلف شيئا خطأ، أو ضاعت منه الوديعة نسيانا ضمن، ويستثنى من الإكراه: الزنى والقتل فلا يباحان بالإكراه، ويستثنى من النسيان: ما تعاطى الإنسان سببه، فإنه يأثم بفعله لتقصيره.


    الحديث الأربعونعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمنكبي فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل _ وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول _ إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك)) رواه البخاري
    المفردات:
    بمنكبي: بفتح الميم وكسر الكاف _ مجمع العضد والكتف. ويروى بالإفراد والتثنية.
    كأنك غريب: لا يجد من يستأنس به، ولا مقصد له إلا الخروج عن غربته إلى وطنه من غير أن ينافس أحدا.
    أو عابر سبيل: المار في الطريق، الطالب وطنه، و (أو) بمعنى بل، من قبيل الترقي من الغريب الذي ربما تطمئن نفسه إلى بلد الغربة إلى عابر السبيل الذي ليس كذلك.
    فلا تنتظر الصباح: بأعمال الليل.
    فلا تنتظر المساء: لأن لكل من الصباح والمساء عملا يخصه إذا أخر عنه لم يستدرك كماله وإن شرع قضاؤه.
    وخذ من صحتك لمرضك: اغتنم العمل حال الصحة فإنه ربما عرض مرض مانع منه، فتقدم الميعاد بغير زاد.
    ومن حياتك لموتك: اعمل في حياتك ما تلقى نفعه بعد موتك، فإنه ليس بعد الموت إلا انقطاع العمل.
    يستفاد منه:
    1 - مس المعلم أعضاء المتعلم عند التعليم للتأنيس والتنبيه.
    2 - الابتداء بالنصيحة والإرشاد لمن لم يطلب ذلك.
    3 - مخاطبة الواحد وإرادة الجمع، فإن هذا لا يخص ابن عمر، بل يعم جميع الأمة.
    4 - الحض على ترك الدنيا والزهد فيها، وألا يأخذ منها الإنسان إلا مقدار الضرورة المعينة على الآخرة.
    5 - التحذير من الرذائل، إذ الغريب لقلة معرفته بالناس قليل الحسد والعداوة، والحقد والنفاق، والنزاع وجميع الرذائل التي تنشأ بالاختلاط بالخلائق ولقلة إقامته قليل الدار والبستان والمزرعة، وسائر الأشياء التي تشغل عن الخالق من لم يوفقه الله.
    6 - تقصير الأمل، والاستعداد للموت.
    7 - المسارعة إلى الأعمال الصالحة قبل أن لا يقدر عليها، ويحول مرض أو موت، أو بعض الآيات التي لا يقبل معها عمل.


    الحديث الحادي والأربعونعن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به)) حديث حسن صحيح، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح.
    المفردات:
    لا يؤمن أحدكم: الإيمان الكامل، الذي وعد الله أهله بدخول الجنة، والنجاة من النار.
    هواه: بالقصر _ ما تحبه وتميل نفسه إليه.
    تبعا لما جئت به: من هذه الشريعة المطهرة الكاملة، بأن يميل قلبه وطبعه إليه كميله لمحبوباته الدنيوية التي جبل على الميل بها.
    يستفاد منه:
    1 - أن من كان هواه تابعا لجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم كان مؤمنا كاملا.
    2 - إن من لم يكن كذلك لم يكن مؤمنا. واستعداد هذا الحديث من قوله تعالى " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم " الآية.
    3 - وجوب محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - واتباعه فيما يأمر به والانتهاء عما نهى من غير توقف ولا تلعثم.

    الحديث الثاني والأربعونعن أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله تعالى يا بن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي. يا بن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك. يا بن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
    المفردات:
    ما دعوتني: لمغفرة ذنوبك و ((ما)) مصدرية ظرفية.
    ورجوتني: والحال أنك ترجو تفضلي عليك. وإجابة دعائك.
    غفرت لك: ذنوبك، أي سترتها عليك ولا أعاقبك بها في الآخرة.
    على ما كان منك: من تكرار المعاصي.
    ولا أبالي: لا أكترث بذنوبك ولا أستكثرها وإن كثرت إذ لا يتعاظمني شيء.
    عنان: بفتح المهملة _ سحاب.
    استغفرتني: طلبت مني وقاية شرها مع سترها.
    بقراب الأرض: بضم القاف وكسرها، والضم أشهر، أي بقريب ملئها، أو بمثلها.
    لقيتني: مت على الإيمان.
    لا تشرك بي شيئا: لاعتقادك توحيدي، والتصديق برسلي وبما جاءوا به.
    يستفاد منه:
    1 - سعة كرم الله تعالى وجوده.
    2 - الرد على الذين يكفرون المسلمين بالذنوب، وعلى المعتزلة القائلين بالمنزلة بين المنزلتين، بمعنى أنه ليس بمؤمن ولا كافر في الدنيا، ويخلد في النار في الآخرة. والصواب قول أهل السنة: أن العاصي لا يسلب عنه اسم الإيمان، ولا يعطاه على الإطلاق، بل يقال: هو مؤمن عاص، أو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، وعلى هذا يدل الكتاب والسنة، وأجماع سلف الأمة.
    3 - بيان معنى لا إله إلا الله: أنه هو إفراد الله بالعبادة، وترك الشرك قليله وكثيره.
    4 - حصول المغفرة بهذه الأسباب الثلاثة:
    الدعاء مع الرجاء، والاستغفار والتوحيد وهو السبب الأعظم الذي فقه فقد المغفرة، ومن جاء به فقد جاء بأعظم أسباب المغفرة.


    الحديث الثالث والأربعونعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر)) أخرجه البخاري ومسلم.
    المفردات:
    الفرائض: الأنصباء المقررة في كتاب الله تعالى، وهي: النصف، ونصفه، وهو الربع. ونصف نصفه، وهو الثمن. والثلثان، ونصفهما، وهو الثلث. ونصف نصفهما، وهو السدس.
    بأهلها: من يستحقها بنص القرآن.
    فما أبقت الفرائض: بعد أخذ كل ذي فرض فرضه.
    فلأولى رجل: أقرب رجل في النسب إلى المورث.
    ذكر: هذا الوصف للتنبيه على سبب استحقاقه، وهو الذكورة التي هي سبب العضوية، وسبب الترجيح في الأرث، ولذلك جعل للذكر مثل حظ الأنثيين. وحكمته أن الرجال تلحقهم مؤن كثيرة بالقيام بالعيال والضيوف، والأرقاء والقاصدين، ومواساة السائلين، وتحمل الغرمات، ونحو ذلك.
    يستفاد منه:
    1 - أن ما يبقى بعد الفروض للعصبة، وهو كل ذكر يدلي بنفسه بالقرابة ليس بينه وبين الميت أنثى.
    2 - تقديم الأقرب فالأقرب، فلا يرث عاصب بعيد مع عاصب قريب.
    3 - أنه لا شيء للعاصب إذا استغرقت الفروض التركة.
    4 - أن العاصب إذا انفرد أخذ جميع المال.


    الحديث الرابع والأربعونعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة)). أخرجه البخاري ومسلم.
    المفردات:
    الرضاعة: بفتح الراء، الإرضاع.
    تحرم: بتشديد الراء المكسورة مع ضم أوله.
    ما تحرم الولادة: مثل ما تحرمه.
    يستفاد منه:
    1 - أن الرضاع كالنسب في التحريم. وهو بالإجماع فيما يتعلق بتحريم التناكح وتوابعه، والجمع بين قريبتين وانتشار الحرمة بين الرضيع والأولاد المرضعة، وتنزيلهم منزلة الأقارب في حل نحو نظر وخلوة وسفر، لا في باقي الأحكام، كتوارث ووجوب الإنفاق ونحو ذلك، ثم التحريم المذكور بالنظر إلى المرضع فإن أقاربه أقارب للرضيع وأما أقارب الرضيع ما عدا أولاده فلا علاقة بينهم وبين المرضع، فلا يثبت لهم شيء من الأحكام.

    الحديث الخامس والأربعونعن جابر رضي الله تعالى عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو بمكة يقول: ((إن الله عز وجل ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن، ويذهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ قال: لا، هو حرام، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: قاتل الله اليهود، إن الله حرم عليهم الشحوم فأجملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه)) أخرجه البخاري ومسلم.
    المفردات:
    عام الفتح: فتح مكة، وكان في رمضان سنة ثمان من الهجرة.
    حرم: بإفراد الضمير، وإن كان المقام يقتضي التثنية، إشارة إلى أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم ناشيء عن أمر الله، وهو نحو قوله تعالى: (والله ورسوله أحق أن يرضوه).
    الميتة: بفتح الميم، ما زالت عنه الحياة لا بذكاة شرعية.
    الأصنام: جمع صنم، قال الجوهري: هو الوثن، وقال غيره: الوثن ماله جثة، والصنم ما كان مصورا.
    هو حرام: بيعها حرام، ومن العلماء من حمل قوله (وهو حرام) على الانتفاع فقال: يحرم الانتفاع بها.
    جملوه: أذابوه.
    ما يستفاد منه:
    1 - تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام.
    2 - إن كل ما حرم الله الانتفاع به يحرم بيعه وأكل ثمنه وهذا عام في كل ما كان المقصور من الانتفاع به حراما، وهو قسمان: أحدهما ما ينتفع به مع بقاء عينه كالأصنام فإن منفعتها المقصودة منه الشرك بالله عز وجل، وهو أقبح المعاصي على الإطلاق، ويلتحق بذلك ما كانت منفعته محرمة ككتب الشرك والسحر والبدع والضلال ونحوها. والثاني: ما لا ينتفع به إلا مع إتلاف عينه، فإذا كان المقصود الأعظم منه محرما فإنه يحرم بيعه كما يحرم بيع الخنزير والخمر والميتة مع أن في بعضها منافع غير محرمة، كأكل الميتة للمضطر، ودفع الغصة بالخمر، وإطفاء الحريق به، والخرز بشعر الخنزير، والانتفاع بشعره وجلده، فهذه المنافع لما كانت غير مقصودة لم يعبا به وحرم البيع.
    3 - أن كل حيلة يتوصل بها إلى تحليل محرم فهي باطلة.


    الحديث السادس والأربعونعن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى الأشعري ((أن النبي بعثه إلى اليمن يسأله عن الأِشربة تصنع بها؟ فقال: وما هي؟ قال البتع والمزر. فقيل لأبي بردة: ما البتع؟ قال: نبيذ العسل، والمزر: نبيذ الشعير. فقال: كل مسكر حرام)). خرجه البخاري.
    يستفاد منه:
    1 - فضيلة أبي موسى الأشعري، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوله الإمارة إلا لكونه عاملا فطنا حاذقا، ولذلك اعتمد عليه عمر، ثم عثمان، ثم علي خلافا للخوارج والروافض فإنهم طعنوا فيه.
    2 - تحريم تناول جميع أنواع المسكرات، سواء كانت من عصير العنب أو غيره، وقد تواترت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
    3 - إن المفتي يجيب السائل بزيادة عما سأله عنه، إذا كان ذلك مما يحتاج إليه السائل.
    4 - إن علة التحريم الإسكار فافتضى ذلك تحريم ما يسكر، ولو لم يكن شرابا كالحشيش ونحوها.


    الحديث السابع والأربعونعن المقدام بن معد يكرب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما ملأ ابن آدم وعاء شر من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمان يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه)) رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن.
    المفردات:
    بحسب ابن آدم: يكفيه لسد الرمق، وإمساك القوة.
    لقيمات: جمع لقيمة، تصغير لقمة
    يقمن صلبه: ظهره ليتقوى على الطاعة.
    فإن كان لا محالة: من التجاوز عما ذكر فلتكن أثلاثا.
    فثلث لطعامه: مأكوله يجعله له.
    وثلث لشرابه: مشروبه يجعله له.
    وثلث لنفسه: بالتحريك يدعه له ليتمكن من التنفس، ويحصل له نوع صفاء ورقة.
    يستفاد منه:
    1 - عدم التوسع في الأكل والشرب، وهذا أصل جامع لأصول الطب كلها، لو استعمله الناس لتعطلت دكاكين الصيادلة لأن أصل كل داء التخمة، فهذا بعض منافع قلة الغذاء وترك التملؤ من الطعام بالنسبة إلى صحة البدن، وأما منافعها بالنسبة إلى القلب، فهي أنها توجب رقة القلب وقوة الفهم وانكسار النفس، وضعف الهوى والغضب، بخلاف التوسع في الأكل والشرب فإنه يثقل البدن ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة.


    الحديث الثامن والأربعونعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أربع من كن فيه كان منافقا، ومن كانت فيهن خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر)) أخرجه البخاري ومسلم.
    المفردات:

    أربع: من الخصال.
    كان منافقا خالصا: نفاق عمل.
    منهن: من هؤلاء الأربع.
    خصلة: بفتح الخاء، خلة.
    يدعها: يتركها.
    حدث: أخبر عن ماضي الأحوال.
    وإذا وعد: الخير.
    أخلف: لم يف.
    فجر: مال في الخصومة عن الحق، واحتال في رده.
    غدر: نقض العهد.
    يستفاد منه:
    1 - التحذير من التخلق بهذه الأخلاق الخبيئة التي يرجع إليها أصول النفاق الأصغر نفاق العمل وهو
    أن يظهر الإنسان علانية صالحة. ويبطن ما يخالف ذلك. وأما النفاق الأكبر فهو أن يظهر الإنسان الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويطن ما يناقض ذلك كله أو بعضه، وهذا النفاق الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن بذم أهله، وأخبر أنهم في الدرك الأسفل من النار.
    2 - الحث على سلامة القول والفعل والنية، فإن فساد القول بالكذب وفساد النية بالإخلاف، وفساد الفعل بالغدر.


    الحديث التاسع والأربعونعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا)) رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم، وقال الترمذي حسن صحيح.
    المفردات:
    حق توكله: بالاعتماد على الله عز وجل دون غيره في استجلاب المصالح، ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة، مع الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا ينفع سوى الله تعالى.
    خماصا: ضامرة البطون من الجوع.
    تروح: ترجع آخر النهار.
    بطانا: ممتلئة البطون.
    يستفاد منه:
    1 - فضيلة التوكل، وأنه من أعظم الأسباب التي يستجلب بها الرزق، قال الله تعالى (ومن يتوكل على الله فهو حسبه)
    2 - أن التوكل لا ينافي النظر إلى الأسباب، فإنه أخبر أن التوكل الحقيقي لا يضاده الغدو والرواح في طلب الرزق، ولهذا سئل الأمام أحمد عن رجل جلس في بيته، أو في المسجد وقال: لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي، 

    قال أحمد: هذا رجل جهل العلم واستدل بهذا الحديث.

    الحديث الخمسونعن عبد الله بن بسر قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فباب نتمسك به جامع؟ قال: ((لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله)) خرجه الإمام أحمد بهذا اللفظ.
    المفردات:

    فباب نتمسك به جامع: ليسهل عني أداءها، أو يحصل به فضل ما فات منها من غير الفرائض، ولم يرد الاكتفاء به عن الفرائض والواجبات.
    يستفاد منه:
    1 - فضل المداومة على ذكر الله تعالى. نسأل الله تعلى التوفيق وصلى الله عليه نبينا محمد وعلى آله وصحبة أجمعين.
Twitter Bird Gadget